الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ
يقول : من خاف الله في الدنيا من قبل أن يلقاه ، فأطاعه ، واتبع أمره . وفي
مَنْ
في قوله :
مَنْ خَشِيَ
وجهان من الإعراب : الخفض على اتباعه كل في قوله :
لِكُلِّ أَوَّابٍ
والرفع على الاستئناف ، وهو مراد به الجزاء من خشي الرحمن بالغيب ، قيل له ادخل الجنة ؛ فيكون حينئذ قوله :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ
جوابا للجزاء أضمر قبله القول ، وحمل فعلا للجميع ، لأن
مَنْ
قد تكون في مذهب الجميع .
وقوله :
وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
يقول : وجاء الله بقلب تائب من ذنوبه ، راجع مما يكرهه الله إلى ما يرضيه .
كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
: أي منيب إلى ربه مقبل . القول في تأويل قوله تعالى :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ . . .
ما يَشاؤُنَ
. . . مَحِيصٍ
يعني تعالى ذكره بقوله :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ
ادخلوا هذه الجنة بأمان من الهم والغضب والعذاب ، وما كنتم تلقونه في الدنيا من المكاره . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ
قال : سلموا من عذاب الله ، وسلم عليهم . وقوله :
ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ
يقول : هذا الذي وصفت لكم أيها الناس صفته من إدخالي الجنة من أدخله ، هو يوم دخول الناس الجنة ، ماكثين فيها إلى غير نهاية . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ
خلدوا والله ، فلا يموتون ، وأقاموا فلا يظعنون ، ونعموا فلا يبأسون . وقوله :
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها
يقول :
لهؤلاء المتقين ما يريدون في هذه الجنة التي أزلفت لهم من كل ما تشتهيه نفوسهم ، وتلذه عيونهم .
وقوله :
وَلَدَيْنا مَزِيدٌ
يقول : وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جل ثناؤة صفتها مزيد يزيدهم إياه . وقيل : إن ذلك المزيد : النظر إلي الله جل ثناؤه . ذكر من قال ذلك : حدثني أحمد بن سهيل الواسطي ، قال : ثنا قرة بن عيسى ، قال : ثنا النضر بن عربي جده ، عن أنس ، إن الله عز وجل إذا أسكن أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، هبط إلى مرج من الجنة أفيح ، فمد بينه وبين خلقه حجبا من لؤلؤ ، وحجبا من نور ثم وضعت منابر النور وسرر النور وكراسي النور ، ثم أذن لرجل على الله عز وجل بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله ؟ فقيل : هذا المجعول بيده ، والمعلم الأسماء ، والذي أمرت الملائكة فسجدت له ، والذي له أبيحت الجنة ، آدم عليه السلام ، قد أذن له على الله تعالى ؛ قال : ثم يؤذن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال من النور ، يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم ؛ فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله ؟ فقيل : هذا الذي اتخذه الله خليلا ، وجعل عليه النار بردا وسلاما ، إبراهيم قد أذن له على الله . قال : ثم أذن لرجل آخر على الله ، بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم ؛ فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله ؟ فقيل : هذا الذي اصطفاه الله برسالته وقربه نجيا ، وكلمه موسى عليه السلام ، قد أذن له على الله . قال : ثم يؤذن لرجل آخر معه مثل جميع مواكب التبيين قبله ، بين يديه أمثال الجبال ، يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم ؛ فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله ؟ فقيل : هذا أول شافع ، وأول مشفع ، وأكثر الناس واردة ، وسيد ولد آدم ؛ وأول من تنشق عن ذؤابتيه الأرض ، وصاحب لواء الحمد ، أحمد صلى الله عليه وسلم ، قد أذن له على الله . قال : فجلس النبيون على منابر النور ، وجلس سائر الناس على كثبان المسك الأذفر الأبيض ، ثم ناداهم الرب تعالى من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي . يا ملائكتي ، انهضوا إلى عبادي ، فأطعموهم . قال : فقربت إليهم من لحوم طير ، كأنها