تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
قوله :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ
قال : الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة ، فيقولون : هذا الذي أعطيتمونا فاتبعنا ما فيه . حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن مجاهد
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ
قال : هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة يقولون : هذا الذي أعطيتمونا ، فاتبعنا ما فيه . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره عنى بقوله :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ
كل من دعا إلى توحيد الله ، وتصديق رسله ، والعمل بما ابتعث به رسوله صلى الله عليه وسلم من بين رسول الله وأتباعه والمؤمنين به ، وأن يقال : الصدق هو القرآن ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، والمصدق به : المؤمنون بالقرآن ، من جميع خلق الله كائنا من كان من نبي الله وأتباعه . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن قوله تعالى ذكره :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ
عقيب قوله :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ
وذلك ذم من الله للمفترين عليه ، المكذبين بتنزيله ووحيه ، الجاحدين وحدانيته ، فالواجب أن يكون عقيب ذلك مدح من كان بخلاف صفة هؤلاء المذمومين ، وهم الذين دعوهم إلى توحيد الله ، ووصفه بالصفة التي هو بها ، وتصديقهم بتنزيل الله ووحيه ، والذين هم كانوا كذلك يوم نزلت هذه الآية ، رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم ، القائمون في كل عصر وزمان بالدعاء إلى توحيد الله ، وحكم كتابه ، لأن الله تعالى ذكره لم يخص وصفه بهذه لصفة التي في هذه الآية على أشخاص بأعيانهم ، ولا على أهل زمان دون غيرهم ، وإنما وصفهم بصفة ، ثم مدحهم بها ، وهي المجيء بالصدق والتصديق به ، فكل من كان كذلك وصفه فهو داخل في جملة هذه الآية إذا كان من بني آدم . ومن الدليل على صحة ما قلنا أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود " والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به " فقد بين ذلك من قراءته أن الذي من قوله
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ
لم يعن بها واحد بعينه ، وأنه مراد بها جماع ذلك صفتهم ، ولكنها أخرجت بلفظ الواحد ، إذ لم تكن موقتة . وقد زعم بعض أهل العربية من البصريين ، أن " الذي " في هذا الموضع جعل في معنى جماعة بمنزلة " من " . ومما يؤيد ما قلنا أيضا قوله :
أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
فجعل الخبر عن " الذي " جماعا ، لأنها في معنى جماع . وأما الذين قالوا : عني بقوله :
وَصَدَّقَ بِهِ
: غير الذي جاء بالصدق ، فقول بعيد من المفهوم ، لأن ذلك لو كان كما قالوا لكان التنزيل : والذي جاء بالصدق ، والذي صدق به أولئك هم المتقون ؛ فكانت تكون " الذي " مكررة مع التصديق ، ليكون المصدق غير المصدق ؛ فأما إذا لم يكرر ، فإن المفهوم من الكلام ، أن التصديق من صفة الذي جاء بالصدق ؛ لا وجه للكلام غير ذلك . وإذا كان ذلك كذلك ، وكانت " الذي " في معنى الجماع بما قد بينا ، كان الصواب من القول في تأويله ما بينا . وقوله :
أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
يقول جل ثناؤه : هؤلاء الذين هذه صفتهم . هم الذين اتقوا الله بتوحيده والبراءة من الأوثان والأنداد ، وأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه ، فخافوا عقابه ، كما : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس
أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
يقول : اتقوا الشرك . وقوله :
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ
يقول تعالى ذكره : لهم عند ربهم يوم القيامة ، ما تشتهيه أنفسهم ، وتلذه أعينهم
ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ
يقول تعالى ذكره : هذا الذي لهم عند ربهم ، جزاء من أحسن في الدنيا فأطاع الله فيها ، وائتمر لأمره ، وانتهى عما نهاه فيها عنه . القول في تأويل قوله تعالى :
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره : وجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم ، كي يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال ، فيما بينهم وبين ربهم ، بما كان منهم فيها من توبة وإنابة مما اجترحوا من