تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
فيتيقنوا بذلك أنه لا يخلق شيئا باطلا .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
يعني : من نار جهنم . وقوله :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ
يقول : أنجعل الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما أمر الله به ، وانتهوا عما نهاهم عنه
كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ
يقول : كالذين يشركون بالله ويعصونه ويخالفون أمره ونهيه .
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ
يقول : الذين اتقوا الله بطاعته وراقبوه ، فحذروا معاصيه
كَالْفُجَّارِ
يعني : كالكفار المنتهكين حرمات الله . وقوله :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وهذا القرآن
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ
يا محمد .
مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
يقول : ليتدبروا حجج الله التي فيه ، وما شرع فيه من شرائعه ، فيتعظوا ويعملوا به . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة القراء :
لِيَدَّبَّرُوا
بالياء ، يعني : ليتدبر هذا القرآن من أرسلناك إليه من قومك يا محمد . وقراءة أبو جعفر وعاصم " لتدبروا آياته " بالتاء ، بمعنى : لتتدبره أنت يا محمد وأتباعك . وأولى القراءتين عندنا بالصواب في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب .
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
يقول : وليعتبر أولو العقول والحجا ما في هذا الكتاب من الآيات ، فيرتدعوا عما هم عليه مقيمين من الضلالة ، وينتهوا إلى ما دلهم عليه من الرشاد وسبيل الصواب . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله :
أُولُوا الْأَلْبابِ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
أُولُوا الْأَلْبابِ
قال : أولو العقول من الناس . وقد بينا ذلك فيما مضى قبل بشواهده ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى :
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ . . .
بِالْعَشِيِّ
. . . رُدُّوها عَلَيَّ
يقول تعالى ذكره
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ
ابنه ولدا
نِعْمَ الْعَبْدُ
يقول : نعم العبد سليمان
إِنَّهُ أَوَّابٌ
يقول : إنه رجاع إلى طاعة الله تواب إليه مما يكرهه منه . وقيل : إنه عني به أنه كثير الذكر لله والطاعة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
قال : الأواب : المسبح . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
قال : كان مطيعا لله كثير الصلاة . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
قال : المسبح . والمسبح قد يكون في الصلاة والذكر . وقد بينا معنى الأواب ، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا . وقوله :
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ
يقول تعالى ذكره : إنه تواب إلى الله من خطيئته التي أخطأها ، إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ؛ فإذ من صلة أواب ، والصافنات : جمع الصافن من الخيل ، والأنثى : صافنة ، والصافن منها عند بعض العرب : الذي يجمع بين يديه ، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه ، وعند آخرين : الذي يجمع يديه . وزعم الفراء أن الصافن : هو القائم ، يقال منه : صفنت الخيل تصفن صفونا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
الصَّافِناتُ الْجِيادُ
قال : صفون الفرس : رفع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر . حدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 98 | محمد بن جرير الطبري