واختلف أهل التأويل في تأويل قوله
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
فقال بعضهم : عنى بذلك . فأعط من شئت ما شئت من الملك الذي آتيناك ، وامنع ما شئت منه ما شئت ، لا حساب عليك في ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : قال الحسن
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
الملك الذي أعطيناك ، فأعط ما شئت وامنع ما شئت ، فليس عليك تبعة ولا حساب . حدثت عن المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
سأل ملكا هنيئا لا لحاسب به يوم القيامة ، فقال : ما أعطيت ، وما أمسكت ، فلا حرج عليك . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبيه أب جد سعد ، عن عكرمة
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
قال : أعط أو أمسك ، فلا حساب عليك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
فَامْنُنْ
قال : أعط أو أمسك بغير حساب . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أعتق من هؤلاء الشياطين الذين سخرناهم لك من الخدمة ، أو من الوثاق ممن كان منهم مقرنا في الأصفاد من شئت واحبس من شئت فلا حرج عليك في ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
يقول : هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم في وثاقك وفي عذابك ، وسرح من شئت منهم تتخذ عنده يدا ، اصنع ما شئت لا حساب عليك في ذلك . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
يقول : أعتق من الجن من شئت ، وأمسك من شئت . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
قال : تمن على من تشاء منهم فتعتقه ، وتمسك من شئت فتستخدمه ليس عليك في ذلك حساب . وقال آخرون : بل معنى ذلك : هذا الذي أعطيناك من القوة على الجماع عطاؤنا ، فجامع من شئت من نسائك وجواريك ما شئت بغير حساب ، واترك جماع من شئت منهن . وقال آخرون : بل ذلك من المقدم والمؤخر . ومعنى الكلام :
هذا عطاؤنا بغير حساب ، فامنن أو أمسك . وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب " . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يقول في قوله :
بِغَيْرِ حِسابٍ
وجهان ؛ أحدهما : بغير جزاء ولا ثواب ، والآخر : منة ولا قلة . والصواب من القول في ذلك ما ذكرته عن أهل التأويل من أن معناه : لا يحاسب على ما أعطى من ذلك الملك والسلطان . وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه . وقوله :
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ
يقول :
وإن لسليمان عندنا لقربة بإنابته إلينا وتوبته وطاعته لنا ، وحسن مآب : يقول : وحسن مرجع ومصير في الآخرة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ
أي مصير . إن قال لنا قائل : وما وجه رغبة سليمان إلى ربه في الملك ، وهو نبي من الأنبياء ، وإنما يرغب في الملك أهل الدنيا المؤثرون لها على الآخرة ؟ أم ما وجه مسألته إياه ، إذ سأله ذلك ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، وما كان يضره أن يكون كل من بعده يؤتى مثل الذي أوتي من ذلك ؟ أكان به بخل بذلك ، فلم يكن من ملكه ، يعطي ذلك من يعطاه ، أم حسد للناس ، كما ذكر عن الحجاج بن يوسف ؛ فإنه ذكر أنه قرأ قوله :
وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
فقال : إن كان لحسودا ،