لا يقع في كل الكلام ، فأما قوله : ومن آياته أنك قائم ، وأنك تقوم ، وأن تقوم ، فهذا الموضع لا يحذف ، لأنه لا يدل على شيء واحد . والصواب من القول في ذلك أن " ومن " في قوله
وَمِنْ آياتِهِ
تدل على المحذوف ، وذلك أنها تأتي بمعنى التبعيض . وإذا كانت كذلك ، كان معلوما أنها تقتضي البعض ، فلذلك تحذف العرب معها الاسم لدلالتها عليه . القول في تأويل قوله تعالى
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
يقول تعالى ذكره : ومن حججه أيها القوم على قدرته على ما يشاء ، قيام السماء والأرض بأمره خضوعا له بالطاعة بغير عمد ترى
ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
يقول : إذا أنتم تخرجون من الأرض ، إذا دعاكم دعوة مستجيبين لدعوته إياكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ
قامتا بأمره بغير عمد
ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
قال : دعاهم فخرجوا من الأرض . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله :
إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
يقول : من الأرض . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ . . .
الْأَعْلى فِي السَّماواتِ
يقول تعالى ذكره : وقوله من في السماوات والأرض من ملك وجن وإنس عبيد وملك
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
يقول : كل له مطيعون ، فيقول قائل : وكيف قيل
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
وقد علم أن أكثر الإنس والجن له عاصون ؟ فنقول : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فنذكر اختلافهم ، ثم نبين الصواب عندنا في ذلك من القول ، فقال بعضهم : ذلك كلام مخرجه مخرج العموم ، والمراد به الخصوص ، ومعناه : كل له قانتون في الحياة والبقاء والموت ، والفناء والبعث والنشور ، لا يمتنع عليه شيء من ذلك ، وإن عصاه بعضهم من غير ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ
إلى
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
يقول : مطيعون ، يعني الحياة والنشور والموت ، وهم عاصون له فيما سوى ذلك من العبادة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : كل له قانتون بإقرارهم بأنه ربهم وخالقهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
أي مطيع مقر بأن الله ربه وخالقه . وقال آخرون : هو على الخصوص ، والمعنى : وله من في السماوات والأرض من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
قال : كل له مطيعون . المطيع : القانت ، قال : وليس شيء إلا وهو مطيع ، إلا ابن آدم ، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله . وفي قوله
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
قال : هذا في الصلاة ، لا تتكلموا في الصلاة كما يتكلم أهل الكتاب في الصلاة ، قال : وأهل الكتاب يمشي بعضهم إلى بعض في الصلاة ، قال : ويتقابلون في الصلاة ، فإذا قيل لهم في ذلك ، قالوا : لكي تذهب الشحناء من قلوبنا تسلم قلوب بعضنا لبعض ، فقال الله : وقوموا لله قانتين لا تزولوا كما يزولون .
قانتين : لا تتكلموا كما يتكلمون . قال : فأما ما سوى هذا كله في القرآن من القنوت ، فهو الطاعة ، إلا هذه الواحدة . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ، وهو أن كل من في السماوات والأرض من خلق لله مطيع في تصرفه فيما أراد تعالى ذكره من حياة وموت ،