وجه يستقيم . قال : ولم تكتبها العرب منفصلة ، ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة ، وقد يجوز أن تكون كثر بها الكلام ، فوصلت بما ليست منه . وقال آخر منهم : إن " وي " : تنبيه ، وكأن حرف آخر غيره ، بمعنى : لعل الأمر كذا ، وأظن الأمر كذا ، لأن كأن بمنزلة أظن وأحسب وأعلم . وأولى الأقوال في ذلك بالصحة : القول الذي ذكرنا عن قتادة ، من أن معناه : ألم تر ، ألم تعلم ، للشاهد الذي ذكرنا فيه من قول الشاعر ، والرواية عن العرب ؛ وأن " ويكأن " في خط المصحف حرف واحد . ومتى وجه ذلك إلى غير التأويل الذي ذكرنا عن قتادة ، فإنه يصير حرفين ، وذلك أنه إن وجه إلى قول من تأوله بمعنى : ويلك اعلم أن الله ، وجب أن يفصل " ويك " من " أن " ، وذلك خلاف خط جميع المصاحف ، مع فساده في العربية ، لما ذكرنا . وإن وجه إلى قول من يقول : " وي " بمعنى التنبيه ، ثم استأنف الكلام بكأن ، وجب أن يفصل " وي " من " كأن " ، وذلك أيضا خلاف خطوط المصاحف كلها . فإذا كان ذلك حرفا واحدا ، فالصواب من التأويل : ما قاله قتادة ، وإذ كان ذلك هو الصواب ، فتأويل الكلام : وأصبح الذين تمنوا مكان قارون وموضعه من الدنيا بالأمس ، يقولون لما عاينوا ما أحل الله به من نقمته ، ألم تر يا هذا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ، فيوسع عليه ، لا لفضل منزلته عنده ، ولا لكرامته عليه ، كما كان بسط من ذلك لقارون ، لا لفضله ولا لكرامته عليه .
وَيَقْدِرُ
يقول : ويضيق على من يشاء من خلقه ذلك ، ويقتر عليه ، لا لهوانه ، ولا لسخطه عمله . وقوله :
لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا
يقول :
لولا أن تفضل علينا ، فصرف عنا ما كنا نتمناه بالأمس ،
لَخَسَفَ بِنا
. واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار سوى شيبة : " لخسف بنا " بضم الخاء ، وكسر السين وذكر عن شيبة والحسن :
لَخَسَفَ بِنا
بفتح الخاء والسين ، بمعنى : لخسف الله بنا . وقوله :
وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
يقول : ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون ، فتنجح طلباتهم . القول في تأويل قوله تعالى :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
يقول تعالى ذكره : تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرا عن الحق في الأرض وتجبرا عنه
وَلا فَساداً
يقول : ولا ظلم الناس بغير حق ، وعملا بمعاصي الله فيها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا عبد الله بن المبارك ، عن زياد بن أبي زياد ، قال : سمعت عكرمة يقول
لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
قال : العلو : التجبر . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مسلم البطين
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
قال : العلو : التكبر في الحق ، والفساد : الأخذ بغير الحق . حدثنا ابن وكيع ، قال :
ثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مسلم البطين :
لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ
قال : التكبر في الأرض بغير الحق
وَلا فَساداً
أخذ المال بغير حق . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد بن حبير :
لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ
قال : البغي . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ
قال : تعظما وتحبرا ،
وَلا فَساداً
: عملا بالمعاصي .