تنبئهم
أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ
. وقوله :
أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة والشام : " إن الناس " بكسر الألف من " إن " على وجه الابتداء بالخبر عن الناس أنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون ؛ وهي وإن كسرت في قراءة هؤلاء فإن الكلام لها متناول . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة وبعض أهل البصرة :
أَنَّ النَّاسَ كانُوا
بفتح أن بمعنى :
تكلمهم بأن الناس ، فيكون حينئذ نصب بوقوع الكلام عليها . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مستفيضتان في قراءة الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذا جاؤُ
يقول تعالى ذكره : ويوم نجمع من كل قرن وملة فوجا ، يعني جماعة منهم ، وزمرة
مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا
يقول : ممن يكذب بأدلتنا وحججنا ، فهو يحبس أولهم على آخرهم ، ليجتمع جميعهم ، ثم يساقون إلى النار . وبنحو ما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله :
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ
يعني : الشيعة عند الحشر .
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً
قال : زمرة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً
قال : زمرة زمرة
فَهُمْ يُوزَعُونَ
. حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ
قال : يقول : فهم يدفعون . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قوله :
فَهُمْ يُوزَعُونَ
قال : يحبس أولهم على آخرهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
فَهُمْ يُوزَعُونَ
قال : وزعة ترد أولاهم على أخرهم . وقد بينت معنى قوله :
يُوزَعُونَ
فيما مضى قبل بشواهده ، فأغني ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي
يقول تعالى ذكره : حتى إذا جاء من كل أمة فوج ممن يكذب بآياتنا فاجتمعوا قال الله :
أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي
أي بحججي وأدلتي
وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً
يقول ولم تعرفوها حق معرفتها ؟
أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
فيها من تكذيب أو تصديق . القول في تأويل قوله تعالى :
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا . . .
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره : ووجب السخط والغضب من الله على المكذبين بآياته
بِما ظَلَمُوا
يعني بتكذيبهم بآيات الله ، يوم يحشرون .
فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ
يقول : فهم لا ينطقون بحجة يدفعون بها عن أنفسهم عظيم ما حل بهم ووقع عليهم من القول . وقوله :
أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ
يقول تعالى ذكره : ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتنا تصريفنا الليل والنهار ، ومخالفتنا بينهما بتصييرنا هذا سكنا لهم يسكنون فيه ، ويهدءون راحة أبدانهم من تعب التصرف والتقلب نهارا ، وهذا مضيئا يبصرون فيه الأشياء ويعاينونها فيتقلبون فيه لمعايشهم ، فيتفكروا في ذلك ، ويتدبروا ، ويعلموا أن مصرف ذلك كذلك هو الإله الذي لا يعجزه شيء ، ولا يتعذر عليه إماتة الأحياء ، وإحياء الأموات بعد الممات ، كما لم يتعذر عليه الذهاب بالنهار والمجيء بالليل ، والمجيء بالنهار والذهاب بالليل مع اختلاف أحوالهما .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره : إن في تصييرنا الليل سكنا ، والنهار مبصرا لدلالة