كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً
قال : هذا مثل ضربه الله ، لا يغني أولياؤهم عنهم شيئا كمالا يغني العنكبوت بيتها هذا . وقوله :
وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ
يقول : وإن أضعف البيوت
لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : لو كان هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أولياء ، يعلمون أن أولياءهم الذين اتخذوهم من دون الله في قلة غنائهم عنهم ، كغناء بيت العنكبوت عنها ، لكنهم يجهلون ذلك ، فيحسبون أنهم ينفعونهم ويقربونهم إلى الله زلفى . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ . . .
الْعالِمُونَ
اختلف القراء في قراءة قوله :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ
فقرأته عامة قراء الأمصار " تدعون " بالتاء بمعنى الخطاب لمشركي قريش
إِنَّ اللَّهَ
أيها الناس " يعلم ما تدعون إليه من دونه من شيء " . وقرأ ذلك أبو عمرو :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ
بالياء بمعنى الخبر عن الأمم ، إن الله يعلم ما يدعو هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم من دونه من شيء . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ، قراءة من قرأ بالتاء ، لأن ذلك لو كان خبرا عن الأمم الذين ذكر الله أنه أهلكهم ، لكان الكلام : إن الله يعلم ما كانوا يدعون ، لأنالقوم في حال نزول هذا الخبر على نبي الله لم يكونوا موجودين ، إذ كانوا قد هلكوا فبادوا ، وإنما يقال : إن الله يعلم ما تدعون إذا أريد به الخبر عن موجودين ، لا عمن قد هلك . فتأويل الكلام إذ كان الأمر كما وصفنا : إن الله يعلم أيها القوم حال ما تعبدون من دونه من شيء ، وان ذلك لا ينفعكم ولا يضركم ، إن أراد الله بكم سوءا ، ولا يغني عنكم شيئا ؛ وإن مثله في قلة غنائه عنكم ، مثل بيت العنكبوت في غنائه عنها . وقوله :
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يقول : والله العزيز في انتقامه ممن كفر به ، وأشرك في عبادته معه غيره فاتقوا أيها المشركون به عقابه بالإيمان به قبل نزوله بكم ، كما نزل بالأمم الذين قص ، الله قصصهم في هذه السورة عليكم ، فإنه إن نزل بكم عقابه لم تغن عنكم أولياؤكم الذين اتخذتموهم من دونه أولياء ، كما لم يغن عنهم من قبلكم أولياؤهم الذين اتخذوهم من دونه ،
الْحَكِيمُ
في تدبيره خلقه ، فمهلك من استوجب الهلاك في الحال التي هلاكه صلاح ، والمؤخر من أخر هلاكه من كفرة خلقه به إلى الحين الذي في هلاكه الصلاح . وقوله :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ
يقول تعالى ذكره : وهذه الأمثال ، وهي الأشباه والنظائر نضربها للناس يقول :
نمثلها ونشبهها ونحتج بها للناس ، كما قال الأعشى :
هل تذكر العهد من تنمص إذ * تضرب لي قاعدا بها مثلا
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
يقول تعالى ذكره : وما يعقل أنه أصيب بهذه الأمثال التي نضربها للناس منهم الصواب والحق فيما ضربت له مثلا إلا العالمون بالله وآياته . القول في تأويل قوله تعالى :
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : خلق الله يا محمد السماوات والأرض وحده منفردا بخلقها ، لا يشركه في خلقها شريك
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
يقول إن في خلقه ذلك لحجة لمن صدق بالحجج إذا عاينها ، والآيات إذا رآها . القول في تأويل قوله تعالى :
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ . . .
عَنِ الْفَحْشاءِ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم
اتْلُ
يعني اقرأ
ما أُوحِيَ إِلَيْكَ
من الكتاب يعني ما أنزل إليك من هذا القرآن
وَأَقِمِ الصَّلاةَ
يعني : وأد الصلاة التي فرضها الله عليك بحدودها .
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
اختلف أهل التأويل في معنى الصلاة التي ذكرت في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عنى بها القرآن الذي يقرأ في موضع الصلاة ، أو في الصلاة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن أبي الوفاء ، عن أبيه ، عن ابن عمر
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
قال : القرآن الذي يقرأ في المساجد . وقال آخرون : بل عنى بها الصلاة . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني