زنة عشر عشراوات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفا ، ثم تنتهي إلى غي وأثام " .
قلت : وما غي وأثام ؟ قال : بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار ، وهما اللذان ذكر الله في كتابه
أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
وقوله في الفرقان :
وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً
. حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
يَلْقَ أَثاماً
قال : الأثام الشر ، وقال : سيكفيك ما وراء ذلك :
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً
. حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
يَلْقَ أَثاماً
قال : نكالا ؛ قال : قال : إنه واد في جهنم .
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن هشيم ، قال : أخبرنا زكريا بن أبي مريم قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا بحجر يهوي فيها أو بصخرة تهوي ، عظمها كعشر عشراوات سمان ، فقال له رجل : فهل تحت ذلك من شيء ؟
قال : نعم غي وأثام . قوله :
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
. اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء الأمصار سوى عاصم
يُضاعَفْ
جزما
وَيَخْلُدْ
جزما . وقرأه عاصم :
يُضاعَفْ
رفعا
وَيَخْلُدْ
رفعا كلاهما على الابتداء ، وأن الكلام عنده قد تناهي عند :
يَلْقَ أَثاماً
ثم ابتدأ قوله :
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ
.
والصواب من القراءة عندنا فيه : جزم الحرفين كليهما : يضاعف ، ويخلد ، وذلك أنه تفسير للأثام لا فعل له ، ولو كان فعلا له كان الوجه فيه الرفع ، كما قال الشاعر :
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد
فرفع تعشو ، لأنه فعل لقوله تأته ، معناه : متى تأته عاشيا . وقوله :
وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً
ويبقى فيه إلى ما لا نهاية في هوان . وقوله :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً
يقول تعالى ذكره : ومن يفعل هذه الأفعال التي ذكرها جل ثناؤه يلق أثاما
إِلَّا مَنْ تابَ
يقول : إلا من راجع طاعة الله تبارك وتعالى بتركه ذلك ، وإنابته إلى ما يرضاه الله
وَآمَنَ
يقول : وصدق بما جاء به محمد نبي الله
وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً
يقول : وعمل بما آمره الله من الأعمال ، وانتهى عما نهاه الله عنه . قوله :
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : فأولئك يبدل الله بقبائح أعمالهم في الشرك ، محاسن الأعمال في الإسلام ، فيبدله بالشرك إيمانا ، وبقيل أهل الشرك بالله قيل أهل الإيمان به ، وبالزنا عفة وإحصانا .
ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
قال : هم المؤمنون كانوا قبل إيمانهم على السيئات ، فرغب الله بهم عن ذلك ، فحولهم إلى الحسنات ، وأبدلهم مكان السيئات حسنات . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً
إلى آخر الآية ، قال : هم الذين يتوبون فيعملون بالطاعة ، فيبدل الله سيئاتهم حسنات حين يتوبون . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن سعيد ، قال : نزلت
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
إلى آخر الآية ، في وحشي وأصحابه ، قالوا : كيف لنا بالتوبة ، وقد عبدنا الأوثان ، وقتلنا المؤمنين ، ونكحنا المشركات ، فأنزل الله فيهم :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً ، فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله ، وأبدلهم بقتالهم مع المشركين ، قتالا مع المسلمين للمشركين ، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني