الثلاث ، عجلناه قبله ، وإن كان كاذبا نكون قد ألحقناه بناقته . فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله ، فدمغتهم الملائكة بالحجارة ؛ فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح ، فوجدوهم مشدوخين قد رضخوا بالحجارة . وقوله :
وَإِنَّا لَصادِقُونَ
نقول لوليه : وإنا لصادقون ، أنا ما شهدنا مهلك أهله . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
يقول تعالى ذكره : وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح بمصيرهم إليه ليلا ليقتلوه وأهله ، وصالح لا يشعر بذلك
وَمَكَرْنا مَكْراً
يقول : فأخذناهم بعقوبتنا إياهم ، وتعجيلنا العذاب لهم
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
بمكرنا . وقد بينا فيما مضى معنى : مكر الله بمن مكر به ، وما وجه ذلك ، وأنه أخذه من أخذه منهم على غرة ، أو استدراجه من استدرج منهم على كفره به ، ومعصيته إياه ، ثم إحلاله العقوبة به على غرة وغفلة ، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن رجل ، عن علي ، قال : المكر غدر ، والغدر كفر . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً
قال : احتالوا لأمرهم ، واحتال الله لهم ، مكروا بصالح مكرا ، ومكرنابهم مكرا
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
بمكرنا وشعرنا بمكرهم ، قالوا : زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه وأهله قبل ذلك ، وكان له مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه ، فخرجوا إلى كهف وقالوا : إذا جاء يصلي قتلناه ، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله ، ففرغنا منهم ، وقرأ قول الله تبارك وتعالى :
قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ
فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم ، فخشوا أن تشدخهم ، فبادروا الغار ، فطبقت الصخرة عليهم فم ذلك الغار ، فلا يدري قومهم أين هم ؟ ولا يدرون ما فعل بقومهم ؟ فعذب الله تبارك وتعالى هؤلاء هاهنا ، وهؤلاء هنا ، وأنجى الله صالحا ومن معه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً
قال : فسلط الله عليهم صخرة فقتلتهم . وقوله :
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ
يقول تعالى ذكره : فانظر يا محمد بعين قلبك إلى عاقبة غدر ثمود بنبيهم صالح ، كيف كانت ؟ وما الذي أورثها اعتداؤهم وطغيانهم وتكذيبهم ؟ فإن ذلك سنتنا فيمن كذب رسلنا ، وطغى علينا من سائر الخلق ، فحذر قومك من قريش ، أن ينالهم بتكذيبهم إياك ، ما نال ثمود بتكذيبهم صالحا من المثلات . وقوله :
أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
يقول : إنا دمرنا التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض من قوم صالح وقومهم من ثمود أجمعين ، فلم نبق منهم أحدا . واختلفت القراء في قراءة قوله " إنا " فقرأ بكسرها عامة قراء الحجاز والبصرة على الابتداء ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة :
أَنَّا دَمَّرْناهُمْ
بفتح الألف . وإذا فتحت كان في
أَنَّا
وجهان من الإعراب : أحدهما الرفع على ردها على العاقبة على الاتباع لها ، والآخر النصب على الرد على موضع كيف ، لأنها في موضع نصب إن شئت ، وإن شئت على تكرير كان عليها على وجه ، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ؟ كان عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى :
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً . . .
يَتَّقُونَ
يعني تعالى ذكره بقوله :
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً
فتلك مساكنهم خاوية خالية منهم ، ليس فيها منهم أحد ، قد أهلكهم الله فأبادهم .
بِما ظَلَمُوا
يقول تعالى ذكره : بظلمهم أنفسهم ، بشركهم بالله ، وتكذيبهم رسولهم .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك يا محمد من القصة ،