سبحان الله عالم الغيب والشهادة وتعالى فيكون قوله : " وتعالى " حينئذ معطوفا على " سبحان الله " . وقد يجوز الخفض مع الفاء ، لأن العرب قد تبدأ الكلام بالفاء ، كابتدائها بالواو . وبالخفض كان يقرأ :
عالِمِ الْغَيْبِ
في هذا الموضع أبو عمرو ، وعلى خلافه في ذلك قراءة الأمصار . والصواب من القراءة في ذلك عندنا : الرفع ، لمعنيين : أحدهما : إجماع الحجة من القراء عليه ، والثاني : صحته في العربية . وقوله :
فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
يقول تعالى ذكره : فارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء المشركين ، ووصفهم إياه بما يصفون .
القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ . . .
الظَّالِمِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد :
رب إن تريني في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك فلا تهلكني بما تهلكهم به . ونجني من عذابك وسخطك فلا تجعلني في القوم المشركين ؛ ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك . وقوله :
فَلا تَجْعَلْنِي
جواب لقوله :
إِمَّا تُرِيَنِّي
اعترض بينهما بالنداء ، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز ذلك في الكلام ، لا يقال : يا زيد فقم ، ولا يا رب فاغفر ، لأن النداء مستأنف ، وكذلك الأمر بعده مستأنف ، لا تدخله الفاء والواو ، إلا أن يكون جوابا لكلام قبله . وقوله :
وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ
يقول تعالى ذكره : وإنا يا محمد على أن نريك في هؤلاء المشركين ما نعدهم من تعجيل العذاب لهم ، لقادرون ، فلا يحزننك تكذيبهم إياك بما نعدهم به ، وإنما نؤخر ذلك ليبلغ الكتاب أجله . القول في تأويل قوله تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ . . .
مِنْ هَمَزاتِ
.
يقول تعالى ذكره لنبيه : ادفع يا محمد بالخلة التي هي أحسن ، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلة المشركين والصبر على أذاهم ، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم . وعنى بالسيئة : أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله ، يقول له تعالى ذكره :
اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ
قال : أعرض عن أذاهم إياك . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن مجاهد :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ
قال : هو السلام ، تسلم عليه إذا لقيته . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا هوذة ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن ، في قوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ
قال : والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا ويصفح عما يكره . وقوله :
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ
يقول تعالى ذكره : نحن أعلم بما يصفون الله به ، وينحلونه من الأكاذيب والفرية عليه ، وبما يقولون فيك من السوء ، ونحن مجازوهم على جميع ذلك ، فلا يحزنك ما تسمع منهم من قبيح