دخل في جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة ؛ فذلك حين يقول :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
يقول : خلق الإنسان عجولا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
قال : خلق عجولا . وقال آخرون : معناه : خلق الإنسان من عجل ، أي من تعجيل في خلق الله إياه ومن سرعة فيه وعلى عجل . وقالوا : خلقه الله في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس على عجل في خلقه إياه قبل مغيبها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال :
ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
قال : قول آدم حين خلق بعد كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق ، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه ولم تبلغ أسفله ، قال : يا رب استعجل بخلقي قبل غروب بالشمس . حدثني الحارث ، قال ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال :
ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
قال آدم حين خلق بعد كل شيء ؛ ثم ذكر نحوه ، غير أنه قال في حديثه : استعجل بخلقي فقد غربت الشمس . حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
قال : على عجل آدم آخر ذلك اليوم من ذينك اليومين ، يريد يوم الجمعة ، وخلقه على عجل ، وجعله عجولا . وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة ممن قال نحو هذه المقالة : إنما قال :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
وهو يعني أنه خلقه من تعجيل من الأمر ، لأنه قال :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
قال : فهذا العجل .
وقوله :
فَلا تَسْتَعْجِلُونِ
إني
سَأُرِيكُمْ آياتِي
وعلى قول صاحب هذه المقالة ، يجب أن يكون كل خلق الله خلق على عجل ، لأن كل ذلك خلق بأن قيل له كن فكان . فإذا كان ذلك كذلك ، فما وجه خصوص الإنسان إذا بذكر أنه خلق من عجل دون الأشياء كلها وكلها مخلوق من عجل ؟ وفي خصوص الله تعالى ذكره الإنسان بذلك الدليل الواضح ، على أن القول في ذلك غير الذي قاله صاحب هذه المقالة .
وقال آخرون منهم : هذا من المقلوب ، وإنما خلق العجل من الإنسان ، وخلقت العجلة من الإنسان .
وقالوا : ذلك مثل قوله :
ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
إنما هو : لتنوء العصبة بها متثاقلة . وقالوا :
هذا وما أشبهه في كلام العرب كثير مشهور . قالوا : وإنما كلم القوم بما يعقلون . قالوا : وذلك مثل قولهم : عرضت الناقة ، وكقولهم : إذا طلعت الشعرى واستوت العود على الحرباء ؛ أي استوت الحرباء على العود ، كقول الشاعر :
وتركب خيلا لا هوادة بينها * وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر
وكقول ابن مقبل :
حسرت كفى عن السربال آخذه * فردا يجر على أيدي المفدينا