ألم يحزنك أن حبال قيس * وتغلب قد تباينتا انقطاعا
فجعل حبال قيس وهي جمع وحبال تغلب وهي جمع اثنين . وقوله :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
يقول تعالى ذكره : وأحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شيء . كما : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال :
ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
قال : كل شيء حي خلق من الماء .
فإن قال قائل : وكيف خص كل شيء حي بأنه جعل من الماء دون سائر الأشياء غيره ، فقد علمت أنه يحيا بالماء الزروع والنبات والأشجار وغير ذلك مما لا حياة له ، ولا يقال له حي ولا ميت ؟ قيل : لأنه لا شيء من ذلك إلا وله حياة وموت ، وإن خالف معناه في ذلك معنى ذوات الأرواح في أنه لا أرواح فيهن وأن في ذوات الأرواح أرواحا ؛ فلذلك قيل :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
. وقوله :
أَ فَلا يُؤْمِنُونَ
يقول :
أفلا يصدقون بذلك ، ويقرون بألوهة من فعل ذلك ويفردونه بالعبادة ؟ القول في تأويل قوله تعالى :
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
يقول تعالى ذكره : أو لم ير هؤلاء الكفار أيضا من حججنا عليهم وعلى جميع خلقنا ، أنا جعلنا في الأرض جبالا راسية ؟ والرواسي : جمع راسية ، وهي الثابتة ؛ كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
أي جبالا . وقوله :
أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ
يقول : أن لا تتكفأ بهم .
يقول جل ثناؤه : فجعلنا في هذه الأرض هذه الرواسي من الجبال ، فثبتناها لئلا تتكفأ بالناس ، وليقدروا بالثبات على ظهرها . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال :
كانوا على الأرض تمور بهم لا تستقر ، فأصبحوا وقد جعل الله الجبال وهي الرواسي أوتادا للأرض .
وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا
يعني مسالك ، واحدها فج . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً
أي أعلاما . وقوله :
سُبُلًا
أي طرقا ، وهي جمع السبيل . وكان ابن عباس فيما ذكر عنه يقول : إنما عنى بقوله :
وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً
وجعلنا في الرواسي ، فالهاء والألف في قوله :
وَجَعَلْنا فِيها
من ذكر الرواسي . حدثنا بذلك القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس ، قوله :
وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا
قال : بين الجبال . وإنما اخترنا القول الآخر في ذلك وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض ، لأنها إذا كانت من ذكرها داخل في ذلك السهل والجبل ؛ وذلك أن ذلك كله من الأرض ، وقد جعل الله لخلقه في ذلك كله فجاجا سبلا . ولا دلالة تدل على أنه عنى بذلك فجاج بعض الأرض التي جعلها لهم سبلا دون بعض ، فالعموم بها أولى . وقوله :
لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
يقول تعالى ذكره : جعلنا هذه الفجاج في الأرض ليهتدوا إلى السير فيها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً . . .
خَلَقَ اللَّيْلَ
يقول تعالى ذكره :
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً
للأرض مسموكا . وقوله :
مَحْفُوظاً
يقول : حفظناها من كل شيطان رجيم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛