المسلمون : نحن أحق بهم ، هم منا ، نبني عليهم مسجدا نصلي فيه ، ونعبد الله فيه . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال : إن الله تعالى بعثهم من رقدتهم ليتساءلوا بينهم كما بينا قبل ، لأن الله عز ذكره ، كذلك أخبر عباده في كتابه ، وإن الله أعثر عليهم القوم الذين أعثرهم عليهم ، ليتحقق عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعد طول مدتها بهيئتهم يوم رقدوا ، ولم يشيبوا على مر الأيام والليالي عليهم ، ولم يهرموا على كر الدهور والأزمان فيهم قدرته على بعث من أماته في الدنيا من قبره إلى موقف القيامة يوم القيامة ، لأن الله عز ذكره بذلك أخبرنا ، فقال :
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها
. واختلفت القراء في قراءة قوله :
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ
فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض العراقيين
بِوَرِقِكُمْ هذِهِ
بفتح الواو وكسر الراء والقاف . وقرأ عامة قراء الكوفة والبصرة : " بورقكم " بسكون الراء ، وكسر القاف . وقرأه بعض المكيين بكسر الراء ، وإدغام القاف في الكاف ، وكل هذه القراءات متفقات المعاني ، وإن اختلفت الألفاظ منها ، وهن لغات معروفات من كلام العرب ، غير أن الأصل في ذلك فتح الواو وكسر الراء والقاف ، لأنه الورق ، وما عدا ذلك فإنه داخل عليه طلب التخفيف . وفيه أيضا لغة أخرى وهو " الورق " ، كما يقال للكبد كبد . فإذا كان ذلك هو الأصل ، فالقراءة به إلي أعجب ، من غير أن تكون الأخريان مدفوعة صحتهما ، وقد ذكرنا الرواية بأن الذي بعث معه بالورق إلى المدينة كان اسمه يمليخا . وقد : حدثني عبيد الله بن محمد الزهري ، قال :
ثنا سفيان ، عن مقاتل
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ
اسمه يمليخ . وأما قوله :
فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً
فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ؛ فقال بعضهم : معناه فلينظر أي أهل المدينة أكثر طعاما . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي حصين ، عن عكرمة
أَيُّها أَزْكى طَعاماً
قال : أكثر . وحدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن أبي حصين ، عن عكرمة مثله ، إلا أنه قال : أيه أكثر . وقال آخرون : بل معناه : أيها أحل طعاما .
ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير :
أَيُّها أَزْكى طَعاماً
قال : أحل . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، مثله . وقال آخرون : بل معناه : أيها خير طعاما . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
أَزْكى طَعاماً
قال : خير طعاما . وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب : قول من قال : معنى ذلك : أحل وأطهر ، وذلك أنه لا معنى في اختيار الأكثر طعاما للشراء منه إلا بمعنى إذا كان أكثرهم طعاما ، كان خليقا أن يكون الأفضل منه عنده أوجد ، وإذا شرط على المأمور الشراء من صاحب الأفضل ، فقد أمر بشراء الجيد ، كان ما عند المشتري ذلك منه قليلا الجيد أو كثيرا ، وإنما وجه من وجه تأويل أزكى إلى الأكثر ، لأنه وجد العرب تقول : قد زكا مال فلان : إذا كثر ، وكما قال الشاعر :
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة * وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب
بمعنى : أكثر ، وذلك وإن كان كذلك ، فإن الحلال الجيد وإن قل ، أكثر من الحرام الخبيث وإن كثر .
وقيل :
فَلْيَنْظُرْ أَيُّها
فأضيف إلى كناية المدينة ، والمراد بها أهلها ، لأن تأويل الكلام : فلينظر أي أهلها أزكى طعاما لمعرفة السامع بالمراد من الكلام . وقد يحتمل أن يكونوا عنوا بقولهم
أَيُّها أَزْكى طَعاماً
أيها أحل ، من أجل أنهم كانوا فارقوا قومهم وهم أهل أوثان ، فلم يستجيزوا أكل ذبيحتهم . وقوله :
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ
يقول : فليأتكم بقوت منه تقتاتونه ، وطعام تأكلونه ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ
قال : بطعام .