الهدى والحق جاء من عند الله ، فمن عمل بالحق كان له وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض ، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يجعل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبثه ، فيخرج جيده فينتفع به ، فكذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة وأقيم الناس ، وعرضت الأعمال ، فيزيغ الباطل ويهلك ، وينتفع أهل الحق بالحق ، ثم قال :
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ
إلى :
أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
فقال : ابتغاء حلية الذهب والفضة ، أو متاع الصفر والحديد . قال :
كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد فخلص خالصه ، قال :
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
كذلك بقاء الحق لأهله فانتفعوا .
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهد ا يقول :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
قال : ما أطاقت ملأها
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
قال : انقضى الكلام ، ثم استقبل فقال : " ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حليه أو متاع زبد مثله " قال : المتاع : الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه ، زبد مثله ، قال : خبث ذلك مثل زبد السيل . قال :
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
قال : فذلك مثل الحق والباطل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد ، أنه سمعه يقول : فذكر نحوه . وزاد فيه : قال : قال ابن جريج : قوله :
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
قال : جمودا في الأرض ،
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
يعني الماء وهما مثلان : مثل الحق والباطل . حدثنا الحسن ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
زَبَداً رابِياً
السيل مثل خبث الحديد والحلية ،
فَيَذْهَبُ جُفاءً
جمودا في الأرض ،
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه . وقوله :
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
إنما هما مثلان للحق والباطل . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ؛ قال : وثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، يزيد أحدهما على صاحبه في قوله :
فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
قال : بملثها ،
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
قال : الزبد : السيل
ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
قال : خبث الحديد والحلية ،
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
قال : جمودا في الأرض ،
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
قال : الماء وهما مثلان للحق والباطل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
الصغير بصغره والكبير بكبره ،
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
أي عاليا ،
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
والجفاء : ما يتعلق بالشجر ،
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
. هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد ، يقول : كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته ، كذلك يضمحل الباطل عن أهله كما اضمحل هذا الزبد ، وكما مكث هذا الماء في الأرض ، فأمرعت هذه الأرض ، وأخرجت نباتها ، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي هذا الماء