تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
والصديد : ما يسيل من دمه ولحمه وجلد . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
قال : ما يسيل من بين لحمه وجلده . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، عمن ذكره ، عن الضحاك :
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
قال : يعني بالصديد : ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم . وقوله :
يَتَجَرَّعُهُ
يتحساه ،
وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
يقول : ولا يكاد يزدرده من شدة كراهته ، وهو يسيغه من شدة العطش . والعرب تحمل " لا يكاد " فيما قد فعل ، وفيما لم يفعل . فأما ما قد فعل فمنه هذا ، لأن الله جل ثناؤه جعل لهم ذلك شرابا ؛ وأما ما لم يفعل وقد دخلت فيه " كاد " فقوله :
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
فهو لا يراها . وبنحو ما قلنا من أن معنى قوله :
وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
وهو يسيغه ، جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر الرواية بذلك : حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبيد الله بن بسر ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله :
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ
: " فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره " يقول الله عز وجل :
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
ويقول :
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ
حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا معمر ، عن ابن المبارك ، قال : ثنا صفوان بن عمرو ، عن عبيد الله بن بسر ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قوله :
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
فذكر مثله ، إلا أنه قال
سُقُوا ماءً حَمِيماً
حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : ثنا حيوة بن شريح الحمصي ، قال : ثنا بقية ، عن صفوان بن عمرو ، قال : ثني عبيد الله بن بسر ، عن أبي أمامه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء . وقوله :
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ
فإنه يقول : ويأتيه الموت من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وشماله ، ومن كل موضع من أعضاء جسده .
وَما هُوَ بِمَيِّتٍ
لأنه لا تخرج نفسه فيموت فيستريح ، ولايحيا لتعلق نفسه بالحناجر ، فلا ترجع إلى مكانها . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله :
يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ
قال : تعلق نفسه عمد حنجرته ، فلا تخرج من فيه فيموت ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيجد لذلك راحة فتنفعه الحياة حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : ثنا العوام بن حوشب ، عن إبراهيم التيمي قوله :
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ
قال : من تحت كل شعرة في جسده . وقوله :
وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ
يقول : ومن وراء ما هو فيه من العذاب ، يعني أمامه وقدامه عذاب غليظ القول في تأويل قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ
اختلف أهل العربية في رافع مثل ، فقال بعض نحويي البصرة : إنما هو كأنه قال : ومما نقص عليك
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا
ثم أقبل يفسر كما قال :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
وهذا كثير . وقال بعض نحويي الكوفيين ، : إنما المثل للأعمال ، ولكن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف ، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه . ومعنى الكلام : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ، كما قيل :
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ
ومعنى الكلام : ترى يوم القيامة وجوه الذين كذبوا على الله مسودة . قال : ولو خفض الأعمال جاز ، كما قال :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ
الآية . وقوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
قال : فتجري هو في موضع الخبر ، كأنه قال : أن تجري ، وأن يكون كذا وكذا ، فلو أدخل " أن " جاز ، قال : ومنه قول الشاعر :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 131 | محمد بن جرير الطبري