تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
وقوله :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ
الذي ظلموا أنفسهم ، فأوجبوا لها عقاب الله بكفرهم وقد يجوز أن يكون قيل لهم : الظالمون لعبادتهم ، من لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهة ، فيكون بوضعهم العبادة في غير موضعها إذ كان ظلما سموا بذلك ظالمين . وقوله :
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ
هذا وعد من الله من وعد من أنبيائه النصر على الكفرة به من قومه ، يقول : لما تمادت أمم الرسل في الكفر ، وتوعدوا رسلهم بالوقوع بهم ، أوحى الله إليهم بإهلاك من كفر بهم من أممهم ووعدهم النصر . وكل ذلك كان من الله وعيدا وتهديدا لمشركي قوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على كفرهم به وجراءتهم على نبيه ، وتثبيتا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمرا له بالصبر على ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه ، كما صبر من كان قبله من أولي العزم من رسله ، ومعرفة أن عاقبة أمر من كفر به الهلاك وعاقبته النصر عليهم ،
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ
قال : وعدهم النصر في الدنيا ، والجنة في الآخرة . وقوله :
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
يقول جل ثناؤه : هكذا فعلي لمن خاف مقامه بين يدي ، وخاف وعيدي فاتقاني بطاعته وتجنب سخطي ، أنصره على من أراد به سوءا وبغاه مكروها من أعدائي ، أهلك عدوه وأخزيه وأورثه أرضه ودياره . وقال :
لِمَنْ خافَ مَقامِي
ومعناه ما قلت من أنه لمن خاف مقامه بين يدي بحيث أقيمه هنا لك للحساب ، كما قال :
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
معناه : وتجعلون رزقي إياكم أنكم تكذبون ، وذلك أن العرب تضيف أفعالها إلى أنفسها ، وإلى ما أوقعت عليه ، فتقول : قد سررت برؤيتك وبرؤيتي إياك ، فكذلك ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
يقول تعالى ذكره : واستفتحت الرسل على قومها : أي استنصرت الله عليها .
وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
يقول : هلك كل متكبر جائر حائد عن الإقرار بتوحيد الله وإخلاص العبادة له . والعنيد والعاند والعنود بمعنى واحد ، ومن الجبار تقول : هو جبار بين الجبرية والجبروتية والجبروة والجبروت . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَاسْتَفْتَحُوا
قال : الرسل كلها ، يقول : استنصروا على أعدائهم ومعانديهم : أي على من عاند عن اتباع الحق وتجنبه . حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، " ح " ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
وَاسْتَفْتَحُوا
قال : الرسل كلها استنصروا .
وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
قال : معاند للحق مجانبه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وقال ابن جريج : استفتحوا على قومهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
قال : كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ، ويقهرونهم ، ويكذبونهم ، ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم ، فأبى الله عز وجل لرسله وللمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر ، وأمرهم أن يتوكلوا على الله ، وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة ، ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم ، فأنجز الله لهم ما وعدهم ، واستفتحوا كما أمرهم أن يستفتحوا .
وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم ، في قوله :
وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
قال : هو الناكب عن الحق ؛ أي الحائد