حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ
يقول : إلى أجل معلوم وقوله :
لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ
يقول :
ليقولن هؤلاء المشركون ما يحبسه ؟ أي شيء يمنعه من تعجيل العذاب الذي يتوعدنا به ؟ تكذيبا منهم به ، وظنا منهم أن ذلك إنما أخر عنهم لكذب المتوعد كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ
قال : للتكذيب به ، أو أنه ليس بشيء .
وقوله :
أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ
يقول تعالى ذكره تحقيقا لوعيده وتصحيحا لخبره : ألا يوم يأتيهم العذاب الذي يكذبون به ليس مصروفا عنهم ، يقول : ليس يصرفه عنهم صارف ، ولا يدفعه عنهم دافع ، ولكنه يحل بهم فيهلكهم .
وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
يقول : ونزل بهم وأصابهم الذي كانوا به يسخرون من عذاب الله . وكان استهزاؤهم به الذي ذكره الله قيلهم قبل نزوله ما يحبسه نقلا بأنبيائه وبنحو الذي قلنا في ذلك كان بعض أهل التأويل يقول . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
قال : ما جاءت به أنبياؤهم من الحق القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ
يقول تعالى ذكره :
ولئن أذقنا الإنسان منا رخاء وسعة في الرزق والعيش ، فبسطنا عليه من الدنيا ، وهي الرحمة التي ذكرها تعالى ذكره في هذا الموضع ،
ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ
يقول : ثم سلبناه ذلك ، فأصابته مصائب أجاحته فذهبت به ؛
إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ
يقول : يظل قنطا من رحمة الله آيسا من الخير . وقوله : " يئوس " : فعول ، من قول القائل : يئس فلان من كذا فهو يئوس ، إذا كان ذلك صفة له . وقوله : " كفور " ، يقول : هو كفور لمن أنعم عليه ، قليل الشكر لربه المتفضل عليه بما كان وهب له من نعمته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ
قال : يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية فكفور لما بك منها ، وإذا نزعت منك يبتغ لك فراغك فيئوس من روح الله ، قنوط من رحمته ، كذلك المرء المنافق والكافر القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ . . .
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا
يقول تعالى ذكره : ولئن نحن بسطنا للإنسان في دنياه ، ورزقناه رخاء في عيشه ، ووسعنا عليه في رزقه ؛ وذلك هي النعم التي قال الله جل ثناؤه :
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ
وقوله :
بَعْدَ ضَرَّاءَ
يقول : بعد ضيق من العيش كان فيه وعسرة كان يعالجها .
لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي
يقول تعالى ذكره : ليقولن عند ذلك : ذهب الضيق والعسرة عني ، وزالت الشدائد والمكاره .
إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
يقول تعالى ذكره : إن الإنسان لفرح بالنعم التي يعطاها مسرور بها فخور ، يقول : ذو فخر بما نال من السعة في الدنيا وما بسط له فيها من العيش ، وينسي صروفها ونكد العوارض فيها ، ويدع طلب النعيم الذي يبقى والسرور الذي يدوم فلا يزول . حدثنا القاسم ، قال :
ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي
غرة بالله وجراءة عليه .
إِنَّهُ لَفَرِحٌ
والله لا يحب الفرحين ،
فَخُورٌ
بعد ما أعطى الله ، وهو لا يشكر الله ثم استثنى جل ثناؤه من الإنسان الذي وصفه بهاتين الصفتين الذين صبروا وعملوا الصالحات . وإنما جاز استثناؤهم منه لأن الإنسان بمعنى الجنس ومعنى الجمع ، وهو كقوله :
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
فقال تعالى ذكره : إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ، فإنهم إن تأتهم شدة من الدنيا وعسرة فيها لم ينهم ذلك عن طاعة الله ، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه ، فإن نالوا فيها رخاء وسعة