تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
عن قتادة :
فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ
يقول : أصبحوا قد هلكوا
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها
يقول : كأن لم يعيشوا فيها ، ولم يعمروا بها . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها
كأن لم يعيشوا فيها حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، مثله . وقد بينا ذلك
لَمْ يَغْنَوْا فِيها
فيما مضى بشواهده فأغنى ذلك عن إعادته . وقوله :
أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ
يقول : إلا أن ثمود كفروا بآيات ربهم فجحدوها .
أَلا بُعْداً لِثَمُودَ
يقول : ألا أبعد الله ثمود لنزول العذاب بهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
يقول تعالى ذكره :
وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا
من الملائكة وهم فيما ذكر كانوا جبرئيل وملكين آخرين . وقيل أن الملكين الآخرين كان ميكائيل وإسرافيل معه .
إِبْراهِيمَ
يعني إبراهيم خليل الله
بِالْبُشْرى
يعني : بالبشارة . واختلفوا في تلك البشارة التي أتوه بها ، فقال بعضهم : هي البشارة بإسحاق . وقال بعضهم : هي البشارة بهلاك قوم لوط .
قالُوا سَلاماً
يقول : فسلموا عليه سلاما ، ونصب " سلاما " بإعمال " قالوا " فيه ، كأنه قيل : قالوا قولا وسلموا تسليما .
قالَ سَلامٌ
يقول : قال إبراهيم لهم : سلام . فرفع " سلام " ، بمعنى عليكم السلام ، أو بمعنى سلام منكم . وقد ذكر عن العرب ، أنها تقول : سلم بمعنى السلام ، كما قالوا : حل وحلال ، وحرم وحرام . وذكر الفراء أن بعض العرب أنشده :
مررنا فقلنا إيه سلم فسلمت * كما أكتل بالبرق الغمام اللوائح
بمعنى " سلام " . وقد روي " كما انكل " . وقد زعم بعضهم أن معناه إذا قرئ كذلك : نحن سلم لكم ، من المسالمة التي هي خلاف المحاربة ، وهذه قراءة عامة قراء الكوفيين . وقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والبصرة
قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ
على أن الجواب من إبراهيم صلى الله عليه وسلم لهم ، بنحو تسليمهم عليكم السلام . والصواب من القول في ذلك عندي : أنهما قراءتان متقاربتا المعنى ، لأن السلم قد يكون بمعنى السلام على ما وصفت ، والسلام بمعنى السلم ، لأن التسليم لا يكاد يكون إلا بين أهل السلم دون الأعداء ، فإذا ذكر تسليم من قوم على قوم ورد الآخرين عليهم ، دل ذلك على مسالمة بعضهم بعضا . وهما مع ذلك قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أهل قدوة في القراءة ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب . وقوله :
فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
وأصله محنوذ ، صرف من مفعول إلى فعيل . وقد اختلف أهل العربية في معناه ، فقال بعض أهل البصرة منهم : معنى المحنوذ : المشوي ، قال : ويقال منه : حنذت فرسي ، بمعنى سخنته وعرفته . واستشهد لقوله ذلك ببيت الراجز :
ورهبا من حنذه أن يهرجا
وقال آخر منهم : حنذ فرسه : أي أضمره ، وقال : قالوا حنذه يحنذه حنذا : أي عرقه . وقال بعض أهل الكوفة : كل ما انشوى في الأرض إذا خددت له فيه فدفنته وغممته فهو الحنيذ والمحنوذ . قال : والخيل تحنذ إذا ألقيت عليها الجلال بعضها على بعض لتعرق . قال : ويقال : إذا سقيت فأحنذ ، يعني أخفس ، يريد : أقل الماء وأكثر النبيذ . وأما التأويل ، فإنهم قالوا في معناه ما أنا ذاكره ، وذلك ما : حدثني به المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
يقول : نضيج حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
قال : " بعجل " حسيل البقر ، والحنيذ : المشوي النضيج حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى
إلى
بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
قال : نضيج سخن أنضج بالحجارة حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
والحنيذ : النضيج حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
قال : نضيج . قال : وقال الكلبي : والحنيذ : الذي يحنذ في الأرض
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 42 | محمد بن جرير الطبري