تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
من الخصب ، هذا علم آتاه الله يوسف لم يسئل عنه وقال آخرون : معنى قوله :
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
وفيه يحلبون . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني فضالة ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس :
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
قال : فيه يحلبون حدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد ، قال : ثنا الفرج بن فضالة ، عن علي بن أبي طلحة ، قال : كان ابن عباس يقرأ يعصرون : " وفيه تعصرون " بالتاء ، يعني تحتلبون واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعض أهل المدينة والبصرة والكوفة :
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
بالياء ، بمعنى ما وصفت من قول من قال : عصر الأعناب والأدهان . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : " وفيه تعصرون " بالتاء . وقرأه بعضهم : " وفيه يعصرون " بمعنى : يمطرون ، وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها ما عليه من قراء الأمصار . والصواب من القراءة في ذلك أن لقارئه الخيار في قراءته بأي القراءتين الأخريين شاء ، إن شاء بالياء ردا على الخبر به عن الناس ، على معنى :
فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
أعنابهم وأدهانهم . وإن شاء بالتاء ردا على قوله :
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ
وخطابا به لمن خاطبه بقوله :
يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ
لأنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار باتفاق المعنى ، وإن اختلفت الألفاظ بهما . وذلك أن المخاطبين بذلك كان لا شك أنهم أغيثوا وعصروا : أغيث الناس الذين كانوا بناحيتهم وعصروا ، وكذلك كانوا إذا أغيث الناس بناحيتهم وعصروا ، أغيث المخاطبون وعصروا ، فهما متفقتا المعنى ، وإن اختلفت الألفاظ بقراءة ذلك . وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب يوجه معنى قوله :
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
إلى : وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث ، ويزعم أنه من العصر والعصر التي بمعنى المنجاة ، من قول أبي زبيد الطائي :
صاديا يستغيث غير مغاث * لقد كان عصرة المنجود
أي المقهور ، ومن قول لبيد :
فبات وأسرى القوم آخر ليلهم * وما كان وقافا بغير معصر
وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين . وأما القول الذي روى الفرج بن فضالة عن علي بن أبي طلحة ، فقول لا معنى له ، لأنه خلاف المعروف من كلام العرب وخلاف ما يعرف من قول ابن عباس رضي الله عنهما . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
يقول تعالى ذكره : فلما رجع الرسول الذي أرسلوه إلى يوسف ، الذي قال :
أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ
فأخبرهم بتأويل رؤيا الملك عن يوسف ، علم الملك حقيقة ما أفتاه به من تأويل رؤياه وصحة ذلك ، وقال الملك : ائتوني بالذي عبر رؤياي هذه . كالذي : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : فخرج " نبو " من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك حتى أتى الملك ، فأخبره بما قال ، فلما أخبره بما في نفسه كمثل النهار وعرف أن الذي قال كائن كما قال ، قال : ائتوني به حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي ، قال : لما أتى الملك رسوله ، قال : ائتوني به وقوله :
فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ
يقول : فلما جاءه رسول الملك يدعوه إلى الملك ،
قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ
يقول : قال يوسف للرسول : ارجع إلى سيدك
فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
وأبى أن يخرج مع الرسول وإجابة الملك حتى يعرف صحة أمره عندهم مما كانوا قذفوه به من شأن النساء ، فقال للرسول : سل الملك ما شأن النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، والمرأة التي سجنت بسببها كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ