قال : يا نبي الله ، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم ، أفلا نستغفر لهم ؟ قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بلى والله لأستغفرن لأبي النبي صلى الله عليه وسلم كما استغفر إبراهيم لأبيه " قال :
فأنزل الله :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
حتى بلغ :
الْجَحِيمِ
ثم عذر الله إبراهيم فقال :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
. قال : وذكر لنا أن نبي الله قال : " أوحي إلي كلمات ، فدخلن في أذني ووقرن في قلبي ، أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركا ، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له ، ومن أمسك فهو شر له ، ولا يلوم الله على كفاف " . واختلف أهل العربية في معنى قوله :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
فقال بعض نحوي البصرة : معنى ذلك : ما كان لهم الاستغفار ، وكذلك معنى قوله :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ
وما كان لنفس الإيمان
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
. وقال بعض نحويي الكوفة : معناه : ما كان ينبغي لهم أن يستغفروا لهم . قال :
وكذلك إذا جاءت " أن " مع " كان " ، فكلها بتأويل " ينبغي "
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
ما كان ينبغي له ليس هذا من أخلاقه ، قال : فلذلك إذا دخلت " أن " تدل على الاستقبال ، لأن " ينبغي " تطلب الاستقبال . وأما قوله :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
فإن أهل العلم اختلفوا في السبب الذي أنزل فيه ، فقال بعضهم : أنزل من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يستغفرون لموتاهم المشركين ظنا منهم أن إبراهيم خليل الرحمن قد فعل ذلك حين أنزل الله قوله خبرا عن إبراهيم ، قال :
سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
وقد ذكرنا الرواية عن بعض من حضرنا ذكره ، وسنذكره عمن لم نذكره . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الخليل ، عن علي قال : سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان ، فقلت : أيستغفر الرجل لوالديه وهما مشركان ؟ فقال : أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه ؟ قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ، فأنزل الله :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ
إلى
تَبَرَّأَ مِنْهُ
. حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الخليل ، عن علي : أن النبي صلى الله عيله وسلم كان يستغفر لأبويه وهما مشركان ، حتى نزلت :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ
إلى قوله :
تَبَرَّأَ مِنْهُ
. وقيل :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ
، ومعناه : إلا من بعد موعدة ، كما يقال : ما كان هذا الأمر إلا عن سبب كذا ، بمعنى : من بعد ذلك السبب أو من أجله ، فكذلك قوله :
إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ
من أجل موعدة وبعدها . وقد تأول قوم قول الله :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى
الآية ، أن النهي من الله عن الاستغفار للمشركين بعد مماتهم ، لقوله :
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
وقالوا : ذلك لا يتبينه أحد إلا بأن يموت على كفره ، وأما هو حي فلا سبيل إلى علم ذلك ، فللمؤمنين أن يستغفروا لهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا سليمان بن عمر الرقي ، ثنا عبد الله بن المبارك ، عن سفيان الثوري ، عن الشيباني ، عن سعيد بن جبير قالا : مات رجل يهودي وله ابن مسلم ، فلم يخرج معه ، فذكر ذلك لابن عباس ، فقال : كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح ما دام حيا ، فإذا مات وكله إلى شانه ثم قال :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
لم يدع . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا فضيل ، عن ضرار بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، قال : مات رجل نصراني ، فوكله ابنه إلى أهل دينه ، فأتيت ابن عباس ، فذكرت ذلك