الرسالة والبلاغ عنه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه نوح عليه السلام لقومه :
فإن توليتم أيها القوم عني بعد دعائي إياكم وتبليغ رسالة ربي إليكم مدبرين ، فأعرضتم عما دعوتكم إليه من الحق والإِقرار بتوحيد الله وإخلاص العبادة له وترك إشراك الآلهة في عبادته ، فتضيع منكم وتفريط في واجب حق الله عليكم ، لا بسبب من قبلي ؛ فإني لم أسألكم على ما دعوتكم إليه أجرا ولا عوضا أعتاضه منكم بإجابتكم إياي إلى ما دعوتكم إليه من الحق والمدى ، ولا طلبت منكم عليه ثوابا ولا جزاء .
إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
يقول جل ثناؤه : إن جزائي وأجر عملي وثوابه إلا على ربي لا عليكم أيها القوم ولا على غيركم .
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وأمرني ربي أن أكون من المذعنين له بالطاعة المنقادين لأَمره ونهيه المذللين له ، ومن أجل ذلك أدعوكم إليه وبأمره آمركم بترك عبادة الأَوثان .
القول في تأويل قوله تعالى :
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
يقول تعالى ذكره : فكذب نوحا قومه فيما أخبرهم به عن الله من الرسالة والوحي ، فنجيناه ومن معه ممن حمل معه في الفلك ، يعني في السفينة .
وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ
يقول : وجعلنا الذين نجينا مع نوح في السفينة خلائف في الأَرض من قومه الذين كذبوه بعد أن أغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ، يعني حججنا وأدلتنا على توحيدنا ، ورسالة رسولنا نوح .
يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المنذرين ، وهم الذين أنذرهم نوح عقاب الله على تكذيبهم إياه وعبادتهم الأَصنام ، يقول له جل ثناؤه : انظر ماذا أعقبهم تكذيبهم رسولهم ، فإن عاقبة من كذبك من قومك أن تمادوا في كفرهم وطغيانهم على ربهم نحو الذي كان من عاقبة قوم نوح حين كذبوه ، يقول جل ثناؤه : فليحذروا أن يحل بهم مثل الذي حل بهم إن لم يتوبوا .
القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
يقول تعالى ذكره : ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم ، فأتوهم ببينات من الحجج والأَدلة على صدقهم ، وأنهم لله رسل ، وأن ما يدعونهم إليه حق .
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
يقول : فما كانوا ليصدقوا بما جاءتهم به رسلهم بما كذب به قوم نوح ومن قبلهم من الأَمم الخالية من قبلهم .
كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
يقول تعالى ذكره : كما طبعنا على قلوب أولئك فختمنا عليها فلم يكونوا يقبلون من أنبياء الله نصيحتهم ولا يستجيبون لدعائهم إياهم إلى ربهم بما اجترموا من الذنوب واكتسبوا من الآثام ، كذلك نطبع على قلوب من اعتدى على ربه ، فتجاوز ما أمره به من توحيده ، وخالف ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته ، عقوبة لهم على معصيتهم ربهم من هؤلاء الآخرين من بعدهم . القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا
يقول تعالى ذكره : ثم بعثنا من بعد هؤلاء الرسل الذين أرسلناهم من بعد نوح إلى قومهم موسى وهارون ابني عمران إلى فرعون مصر
وَمَلَائِهِ
يعني : وأشراف قومه وسادتهم ،
بِآياتِنا
يقول : بأدلتنا على حقيقة ما دعوهم إليه من الإِذعان لله بالعبودة ، والإِقرار لهما بالرسالة .
فَاسْتَكْبَرُوا
يقول : فاستكبروا عن الإِقرار بما دعاهم إليه موسى وهارون .
وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
يعني : آثمين بربهم بكفرهم بالله تعالى .