تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
وَفَسادٌ كَبِيرٌ
إلا تفعلوا هذا تتركوهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون ، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . قال : ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الإيمان إلا بالهجرة ، ولا يجعلونهم منهم إلا بالهجرة . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
يعني في الميراث .
إِلَّا تَفْعَلُوهُ
يقول : إلا تأخذوا في . الميراث بما أمرتكم به .
تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ
وقال آخرون : معنى ذلك : إلا تناصروا أيها المؤمنون في الدين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : جعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من سواهم ، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض ، ثم قال :
إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ
أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمن . ثم رد المواريث إلى الأرحام . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قوله :
إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ
قال : إلا تعاونوا وتناصروا في الدين ، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بتأويل قوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
قول من قال : معناه : أن بعضهم أنصار بعض دون المؤمنين ، وأنه دلالة على تحريم الله على المؤمن المقام في دار الحرب وترك الهجرة ؛ لأن المعروف في كلام العرب من معنى الولي أنه النصير والمعين أو ابن العم والنسيب . فأما الوارث فغير معروف ذلك من معانيه إلا بمعنى أنه يليه في القيام بإرثه من بعده ، وذلك معنى بعيد وإن كان قد يحتمله الكلام . وتوجيه معنى كلام الله إلى الأظهر الأشهر ، أولى من توجيهه إلى خلاف ذلك . وإذ كان ذلك كذلك ، فبين أن أولى التأويلين بقوله :
إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ
تأويل من قال : إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين تكن فتنة في الأرض ، إذ كان مبتدأ الآية من قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بالحث على الموالاة على الدين والتناصر جاء ، وكذلك الواجب أن يكون خاتمتها به . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
يقول تعالى ذكره :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا
آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه ونصروهم ونصروا دين الله ، أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله حقا ، لا من آمن ولم يهاجر دار الشرك وأقام بين أظهر أهل الشرك ولم يغز مع المسلمين عدوهم .
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
يقول : لهم ستر من الله على ذنوبهم بعفوه لهم عنها
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
يقول : لهم في الجنة طعم ومشرب هني كريم ، لا يتغير في أجوافهم فيصير نجوا ، ولكنه يصير رشحا كرشح المشك . وهذه الآية تنبئ عن صحة ما قلنا أن معنى قول الله :
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
في هذه الآية ، وقوله :
ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
إنما هو النصرة والمعونة دون الميراث ؛ لأنه جل ثناؤه عقب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصار والخبر عما لهم عنده دون من لم يهاجر بقوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا
الآية ، ولو كان مرادا بالآيات قبل ذلك الدلالة على حكم ميراثهم لم يكن عقيب ذلك لا الحث على مضي الميراث على ما أمر ، وفي صحة ذلك كذلك الدليل الواضح على أن لا ناسخ في هذه الآيات لشيء ولا منسوخ . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ
يقول تعالى ذكره : والذين آمنوا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 40 | محمد بن جرير الطبري