سبق لقوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
سبق ذلك وسبق أن لا يؤاخذ قوما فعلوا شيئا بجهالة .
لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ
قال ابن جريج : قال ابن عباس : فيما أخذتم مما أسرتم . ثم قال بعد :
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ
. حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : عاتبه في الأسارى وأخذ الغنائم ، ولم يكن أحد قبله من الأنبياء يأكل مغنما من عدو له . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد ، قال : ثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نصرت بالرعب وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأعطيت جوامع الكلم ، وأحلت لي المغانم ولم تحل لنبي كان قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، خمس لم يؤتهن نبي كان قبلي " . قال محمد : فقال :
ما كانَ لِنَبِيٍّ
أي قبلك
أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى
إلى قوله :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ
أي من الأسارى والمغانم .
عَذابٌ عَظِيمٌ
أي لولا أنه سبق مني أن لا أعذب إلا بعد النهي ولم أكن نهيتكم لعذبتكم فيما صنعتم ، ثم أحلها له ولهم رحمة ونعمة وعائدة من الرحمن الرحيم . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قد بيناه قبل ، وذلك أن قوله :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
خبر عام غير محصور على معنى دون معنى . وكل هذه المعاني التي ذكرتها عمن ذكرت مما قد سبق في كتاب الله أنه لا يؤاخذ بشيء منها هذه الأمة ، وذلك ما عملوا من عمل بجهالة ، وإحلال الغنيمة والمغفرة لأهل بدر ، وكل ذلك مما كتب لهم . وإذ كان ذلك كذلك فلا وجه لأن يخص من ذلك معنى دون معنى ، وقد عم الله الخبر بكل ذلك بغير دلالة توجب صحة القول بخصوصه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب ، جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه ، وقال : يا رسول الله ما لنا وللغنائم ، نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك " . قال الله : لا تعودوا تستحلون قبل أن أحل لكم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : قال ابن إسحاق : لما نزلت :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
الآية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ " لقوله : يا نبي الله كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال . القول في تأويل قوله تعالى :
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أهل بدر : فكلوا أيها المؤمنون مما غنمتم من أموال المشركين حلالا بإحلاله لكم طيبا .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
يقول : وخافوا الله أن تعودوا أن تفعلوا في دينكم شيئا بعد هذه من قبل أن يعهد فيه إليكم ، كما فعلتم في أخذ الفداء وأكل الغنيمة وأخذتموهما من قبل أن يحلا لكم .
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم ، وتأويل الكلام : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ، إن الله غفور رحيم ، واتقوا الله . ويعني بقوله :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
لذنوب أهل الإيمان من عباده ،
رَحِيمٌ
بهم أن يعاقبهم بعد توبتهم منها . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا أيها النبي قل لمن في يديك وفي يدي أصحابك من أسرى المشركين الذين أخذ منهم من الفداء ما أخذ
إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً
يقول : إن يعلم الله في قلوبكم إسلاما يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من الفداء .
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
يقول : ويصفح