مدبرا وقال :
إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ
الآية . حدثنا أحمد بن الفرج ، قال : ثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون ، قال : ثنا مالك ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما رئي إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة ، وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب ، إلا ما رأى يوم بدر " . قالوا : يا رسول الله : وما رأى يوم بدر ؟
قال : " أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة " . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، عن الحسن ، في قوله :
إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ
قال : رأى جبريل معتجرا ببرد يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي يده اللجام ، ما ركب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا هاشم بن القاسم ، قال : ثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، قال : قال الحسن : وتلا هذه الآية :
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ
الآية ، قال : سار إبليس مع المشركين ببدر برايته وجنوده ، وألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبكم وأنتم تقاتلون على دين آبائكم ، ولن تغلبوا كثرة . فلما التقوا نكص على عقبيه ، يقول : رجع مدبرا ، وقال : إني بريء منكم ، إني أرى ما لا ترون . يعني الملائكة .
حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب ، قال : لما أجمعت قريش على السير ، قالوا : إنما نتخوف من بني بكر . فقال لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم : أنا جار لكم من بني بكر ، ولا غالب لكم اليوم من الناس . فتأويل الكلام : وإن الله لسميع عليم في هذه الأحوال وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم أيها المؤمنون لحربكم وقتالكم ، وحسن ذلك لهم ، وحثهم عليكم وقال لهم : لا غالب لكم اليوم من بني آدم ، فاطمئنوا وأبشروا ، وإني جار لكم من كنانة أن تأتيكم من ورائكم فتغيركم أجيركم وأمنعكم منهم ، ولا تخافوهم ، واجعلوا جدكم وبأسكم على محمد وأصحابه .
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ
يقول : فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين وجنود الشيطان من المشركين ، ونظر بعضهم إلى بعض ؛
نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ
يقول : رجع القهقرى على قفاه هاربا ، يقال منه : نكص ينكص وينكص نكوصا ، ومنه قول زهير :
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا * لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا
وقال للمشركين
إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ
يعني : أنه يرى الملائكة الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين ، والمشركون لا يرونهم
إِنِّي أَخافُ
عقاب
اللَّهَ
وكذب عدو الله
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
. القول في تأويل قوله تعالى :
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
يقول تعالى ذكره : وإن الله لسميع عليم في هذه الأحوال ، وإذ يقول المنافقون .
وكر بقوله :
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ
على قوله :
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
يعني :
شك في الإسلام لم يصح يقينهم ، ولم تشرح بالإيمان صدورهم .
غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ
يقول : غر هؤلاء الذين يقاتلون المشركين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أنفسهم دينهم ، وذلك الإسلام . وذكر أن الذين قالوا هذا القول كانوا نفرا ممن كان قد تكلم بالإسلام من مشركي قريش ولم يستحكم الإسلام في قلوبهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر في هذه الآية :
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ
قال : كان ناس من