كانت أعمالهم في طاعة الشيطان دون طاعة الرحمن نعوذ بالله من غضبه . وقد بينا معنى الحبوط والجزاء والآخرة فيما مضى بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ . . .
وَكانُوا ظالِمِينَ
يقول تعالى ذكره : واتخذ بنو إسرائيل قوم موسى من بعد ما فارقهم موسى ماضيا إلى ربه لمناجاته ووفاء للوعد الذي كان ربه وعده من حليهم عجلا ، وهو ولد البقرة ، فعبدوه . ثم بين تعالى ذكره ما ذلك العجل فقال :
جَسَداً لَهُ خُوارٌ
والخوار : صوت البقر . يخبر جل ذكره عنهم أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل ، وذلك أن الرب جل جلاله الذي له ملك السماوات والأرض ومدبر ذلك ، لا يجوز أن يكون جسدا له خوار ، لا يكلم أحدا ولا يرشد إلى خير . وقال هؤلاء الذين قص الله قصصهم لذلك هذا إلهنا وإله موسى ، فعكفوا عليه يعبدونه جهلا منهم وذهابا عن الله وضلالا . وقد بينا سبب عبادتهم إياه وكيف كان اتخاذ من اتخذ منهم العجل فيما مضى بما أغنى عن إعادته . وفي الحلي حليهم لغتان :
ضم الحاء وهو الأصل ، وكسرها ، وكذلك ذلك في كل ما شاكله من مثل صلي وجثي وعتي . وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب ، لاستفاضة القراءة بهما في القراءة ، لا تفارق بين معنييهما . وقوله :
أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا
يقول : ألم ير الذين عكفوا على العجل الذي اتخذوه من حليهم يعبدونه أن العجل
لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا
يقول : ولا يرشدهم إلى طريق . وليس ذلك من صفة ربهم الذي له العبادة حقا ، بل صفته أنه يكلم أنبياءه ورسله ، ويرشد خلقه إلى سبيل الخير وينهاهم عن سبيل المهالك والردى . يقول الله جل ثناؤه :
اتَّخَذُوهُ
أي اتخذوا العجل إلها .
وَكانُوا
باتخاذهم إياه ربا معبودا
ظالِمِينَ
لأنفسهم ، لعبادتهم غير من له العبادة ، وإضافتهم الألوهة إلى غير الذي له الألوهة . وقد بينا معنى الظلم فيما مضى بما أغني عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ
ولما ندم الذين عبدوا العجل الذي وصف جل ثناؤه صفته عند رجوع موسى إليهم ، واستسلموا لموسى وحكمه فيهم . وكذلك تقول العرب لكل نادم على أمر فات منه أو سلف وعاجز عن شيء : " قد سقط في يديه " و " أسقط " لغتان فصيحتان ، وأصله من الاستئسار ، وذلك أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه ، فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره فيكتفه ، فالمرمي به مسقوط في يدي الساقط به ، فقيل لكل عاجز عن شيء ومصارع لعجزه متندم على ما فاته : سقط في يديه وأسقط . وعنى بقوله :
وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا
ورأوا أنهم قد جاروا عن قصد السبيل وذهبوا عن دين الله ، وكفروا بربهم ، قالوا تائبين إلى الله منيبين إليه من كفرهم به :
لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
ثم اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعض قراء أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة :
لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا
بالرفع على وجه الخبر . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : " لئن لم ترحمنا ربنا " بالنصب بتأويل لئن لم ترحمنا يا ربنا ، على وجه الخطاب منهم لربهم . واعتل قارئو ذلك كذلك بأنه في إحدى القراءتين : " قالوا لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا " ، وذلك دليل على الخطاب . والذي هو أولى بالصواب من القراءة في ذلك القراءة على وجه الخبر بالياء في " يرحمنا " وبالرفع في قوله " ربنا " ، لأنه لم يتقدم ذلك ما يوجب أن يكون موجها إلى الخطاب . والقراءة التي حكيت على ما ذكرنا من قراءتها : " قالوا لئن لم ترحمنا ربنا " لا نعرف