أنهم يضلون غيرهم . وقرأ ذلك بعض البصريين والحجازيين : " ليضلون " بمعنى : أنهم هم الذين يضلون عن الحق فيجورون عنه . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك ، قراءة من قرأ :
وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ
بمعنى : أنهم يضلون غيرهم ؛ وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عن إضلالهم من تبعهم ونهاه عن طاعتهم واتباعهم إلى ما يدعونه إليه ، فقال :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
ثم أخبر أصحابه عنهم بمثل الذي أخبره عنهم ، ونهاهم من قبول قولهم عن مثل الذي نهاه عنه ، فقال لهم :
وَإِنَّ كَثِيراً
منهم
لَيُضِلُّونَ
كم
بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
نظير الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
يقول تعالى ذكره : ودعوا أيها الناس علانية الإثم وذلك ظاهره ، وسره وذلك باطنه . كذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
أي قليله وكثيره وسره وعلانيته . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
قال : سره وعلانيته . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، في قوله :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
يقول : سره وعلانيته ، وقوله :
ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
قال : سره وعلانيته . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس في قوله :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
قال : نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه أن يعمل به سرا ، أو علانية ، وذلك ظاهره وباطنه . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
معصية الله في السر والعلانية . حدثنا القاسم ، قال :
ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
قال : هو ما ينوي مما هو عامل . ثم اختلف أهل التأويل في المعني بالظاهر من الإثم والباطن منه في هذا الموضع ، فقال بعضهم : الظاهر منه : ما حرم جل ثناؤه بقوله :
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ
قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
الآية ، والباطن منه الزنا . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا الحجاج ، قال : ثنا حماد ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، في قوله :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
قال : الظاهر منه :
لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
والأمهات ، والبنات والأخوات . والباطن :
الزنا . وقال آخرون : الظاهر : أولات الرايات من الزواني . والباطن : ذوات الأخدان . ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
أما ظاهره : فالزواني في الحوانيت . وأما باطنه : فالصديقة يتخذها الرجل فيأتيها سرا . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثني عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
كان أهل الجاهلية يستسرون بالزنا ، ويرون ذلك حلالا ما كان سرا ، فحرم الله السر منه والعلانية . ما ظهر منها : يعني العلانية ، وما بطن : يعني السر . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أبي مكين وأبيه ، عن خصيف ، عن مجاهد :
لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ