الْمُسْرِفِينَ
يقول : إن الله لا يحب المتعدين حده في حلال أو حرام ، الغالين فيما أحل الله أو حرم بإحلال الحرام ، وبتحريم الحلال الإسراف ، ولكنه يحب أن يحلل ما أحل ويحرم ما حرم ، وذلك العدل الذي أمر به .
القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
قُلْ
يا محمد لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يتعرون عند طوافهم بالبيت ، ويحرمون على أنفسهم ما أحللت لهم من طيبات الرزق :
مَنْ حَرَّمَ
أيها القوم عليكم
زِينَةَ اللَّهِ
التي خلقها لعباده أن تتزينوا بها وتتجملوا بلباسها ، والحلال من رزق الله الذي رزق خلقه لمطاعمهم ومشاربهم . واختلف أهل التأويل في المعني بالطيبات من الرزق بعد إجماعهم على أن الزينة ما قلنا ، فقال بعضهم : الطيبات من الرزق في هذا الموضع : اللحم ، وذلك أنهم كانوا لا يأكلونه في حال إحرامهم . ذكر من قال ذلك منهم : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
وهو الودك . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
الذي حرموا على أنفسهم ، قال : كانوا إذا حجوا أو اعتمروا حرموا الشاة عليهم وما يخرج منها . وحدثني به يونس مرة أخرى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
إلى آخر الآية ، قال : كان قوم يحرمون ما يخرج من الشاة لبنها وسمنها ولحمها ، فقال الله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
قال :
والزينة من الثياب . حدثني المثنى ، قال : ثنا حبان بن موسى ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن رجل ، عن الحسن ، قال : لما بعث محمدا فقال : هذا نبيي هذا خياري ، استنوا به خذوا في سنته وسبيله لم تغلق دونه الأبواب ولم تقم دونه الحجبة ، ولم يغد عليه بالجبار ولم يرجع عليه بها .
وكان يجلس بالأرض ، ويأكل طعامه بالأرض ، ويلعق يده ، ويلبس الغليظ ، ويركب الحمار ، ويردف عبده ، وكان يقول : " من رغب عن سنتي فليس مني " . قال الحسن : فما أكثر الراغبين عن سنته التاركين لها ، ثم علوجا فساقا ، أكلة الربا والغلول ، قد سفههم ربي ومقتهم ، زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا وزخرفوا هذه البيوت ، يتأولون هذه الآية :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
وإنما جعل ذلك لأولياء الشيطان ، قد جعلها ملاعب لبطنه وفرجه من كلام لم يحفظه سفيان . وقال آخرون : بل عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرم من البحائر والسوائب . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
وهو ما حرم أهل الجاهلية عليهم من أموالهم : البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال :
ثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
قال : إن الجاهلية كانوا يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها ، وهو قول الله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا
وهو هذا ، فأنزل الله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء الذين أمرتك أن تقول لهم
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
إذ عيوا بالجواب فلم يدروا ما يجيبونك : زينة الله التي أخرج لعباده ، وطيبات رزقه للذين صدقوا الله