يطلبونها في الدنيا ، ولها كانوا يعملون فيها ، فنالوا ما طلبوا وأدركوا ما أملوا . القول في تأويل قوله تعالى :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ
يقول تعالى ذكره : أيها النصارى
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول : له سلطان السماوات والأرض ،
وَما فِيهِنَّ
دون عيسى الذين تزعمون أنه إلهكم ودون أمه ، ودون جميع من في السماوات ومن في الأرض ؛ فإن السماوات والأرض خلق من خلقه وما فيهن وعيسى وأمه من بعض ذلك بالحلول والانتقال ، يدلان بكونهما في المكان الذي هما فيه بالحلول فيه والانتقال أنهما عبدان مملوكان لمن له ملك السماوات والأرض وما فيهن . ينبههم وجميع خلقه على موضع حجته عليهم ليدبروه ويعتبروه ، فيعقلوا عنه .
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يقول تعالى ذكره : والله الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن ، قادر على إفنائهن وعلى إهلاكهن وإهلاك عيسى وأمه ومن في الأرض جميعا كما ابتدأ خلقهم ، لا يعجزه ذلك ولا شيء أراده ؛ لأن قدرته القدرة التي لا يشبهها قدرة وسلطانه السلطان الذي لا يشبهه سلطان ولا مملكة .
[ تفسير سورة الأنعام ]
القول في تأويل قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
يعني تعالى ذكره بقوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ
الحمد الكامل لله وحده لا شريك له ، دون جميع الأنداد والآلهة ، ودون ما سواه مما تعبده كفرة خلقه من الأوثان والأصنام . وهذا كلام مخرجه مخرج الخبر ينحى به نحو الأمر ، يقول :
أخلصوا الحمد والشكر للذي خلقكم أيها الناس وخلق السماوات والأرض ، ولا تشركوا معه في ذلك أحدا شيئا ، فإنه المستوجب عليكم الحمد بأياديه عندكم ونعمة عليكم ، لا من تعبدونه من دونه وتجعلونه له شريكا من خلقه . وقد بينا الفصل بين معنى الحمد والشكر بشواهده فيما مضى قبل . القول في تأويل قوله تعالى :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
يقول تعالى ذكره : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وأظلم الليل وأنار النهار . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال : الظلمات : ظلمة الليل ، والنور : نور النهار . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، أما قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
فإنه خلق السماوات قبل الأرض ، والظلمة قبل النور ، والجنة قبل النار . فإن قال قائل : فما معنى قوله إذن " جعل " ؟ قيل : إن العرب تجعلها ظرفا للخبر والفعل ، فتقول : جعلت أفعل كذا ، وجعلت أقوم وأقعد ، تدل بقولها " جعلت " على اتصال الفعل ، كما تقول :
علقت أفعل كذا ، لا أنها في نفسها فعل ، يدل على ذلك قول القائل : جعلت أقوم ، وأنه لا جعل هناك سوى القيام ، وإنما دل بقوله " جعلت " على اتصال الفعل ودوامه ، ومن ذلك قول الشاعر :
وزعمت أنك سوف تسلك فاردا * والموت مكتنع طريقي قادر
فاجعل تحلل من يمينك إنما * حنث اليمين على الأثيم الفاجر
يقول : " فاجعل تحلل " بمعنى : تحلل شيئا بعد شيء ، لا أن هناك جعلا من غير التحليل . فكذلك كل جعل في الكلام إنما هو دليل على فعل له اتصال ، لا أن له خطا في معنى الفعل ؛ فقوله :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
إنما هو أظلم ليلهما وأنار نهارهما . القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
يقول تعالى ذكره معجبا خلقه المؤمنين من كفرة عباده ومحتجا على الكافرين : إن الإله الذي يجب عليكم