تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
منهم قسيسين ورهبانا . والقسيسون : جمع قسيس ، وقد يجمع القسيس : " قسوس " ، لأن القس والقسيس بمعنى واحد . وكان ابن زيد يقول في القسيس بما : حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : القسيسين : عبادهم . وأما الرهبان ، فإنه يكون واحدا وجمعا ؛ فأما إذا كان جمعا ، فإن واحدهم يكون راهبا ، ويكون الراهب حينئذ فاعلا من قول القائل : رهب الله فلان ، بمعنى : خافه ، يرهبه رهبا ورهبا ، ثم يجمع الراهب رهبان ، مثل راكب وركبان ، وفارس وفرسان . ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب جمعا قول الشاعر :
رهبان مدين لو رأوك تنزلوا * والعصم من شعف العقول الفادر
وقد يكون الرهبان واحدا ، وإذا كان واحدا كان جمعه رهابين ، مثل قربان وقرابين ، وجردان وجرادين . ويجوز جمعه أيضا رهابنة إذا كان كذلك . ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدا قول الشاعر :
لو عاينت رهبان دير في القلل * لانحدر الرهبان يمشي ونزل
واختلف أهل التأويل في المعني بقوله :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
فقال بعضهم : عني بذلك قوم كانوا استجابوا لعيسى ابن مريم حين دعاهم ، واتبعوه على شريعته . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، عن حصين عمن حدثه ، عن ابن عباس في قوله :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
قال : كانوا نواتي في البحر يعني ملاحين قال : فمر بهم عيسى ابن مريم ، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه . قال : فذلك قوله :
قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
وقال آخرون : بل عني بذلك القوم الذين كان النجاشي بعثهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام بن سلم ، قال : ثنا عنبسة عمن حدثه ، عن أبي صالح في قوله :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
قال : ستة وستون ، أو سبعة وستون ، أو اثنان وستون من الحبشة ، كلهم صاحب صومعة ، عليهم ثياب الصوف . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
قال : بعث النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم خمسين أو سبعين من خيارهم ، فجعلوا يبكون ، فقال : هم هؤلاء . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا قيس ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
قال : هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه ، كانوا سبعين رجلا اختارهم الخير فالخير . فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقرأ عليهم :
يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
فبكوا وعرفوا الحق ، فأنزل الله فيهم :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً ، وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
، وأنزل فيهم :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ
إلى قوله :
يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا
والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى عليهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيمان بالله ورسوله ، أن ذلك إنما كان منهم لأن منهم أهل اجتهاد في العبادة وترهيب في الديارات والصوامع ، وأن منهم علماء بكتبهم . وأهل تلاوة لها ، فهم لا يبعدون من المؤمنين لتواضعهم للحق إذا عرفوه ، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبينوه لأنهم أهل دين واجتهاد فيه ونصيحة لأنفسهم في ذات الله ، وليسوا كاليهود الذين قد دربوا بقتل الأنبياء والرسل ومعاندة الله في أمره ونهيه وتحريف تنزيله الذي أنزله في كتبه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ . . .
مَعَ الشَّاهِدِينَ
يقول تعالى ذكره : وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى الذين وصفت لك يا محمد صفتهم أنك تجدهم