تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ
يقول : فلما غاب ،
قالَ
إبراهيم :
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي
ويوفقني لإصابة الحق في توحيده
لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
أي من القوم الذين أخطئوا الحق في ذلك ، فلم يصيبوا الهدى ، وعبدوا غير الله . وقد بينا معنى الضلال في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
يعني تعالى ذكره :
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً
فلما رأى إبراهيم الشمس طالعة ،
قالَ هذا
الطالع
رَبِّي هذا أَكْبَرُ
يعني : هذا أكبر من الكوكب والقمر ، فحذف " ذلك " لدلالة الكلام عليه .
فَلَمَّا أَفَلَتْ
يقول : فلما غابت ،
قالَ
إبراهيم لقومه :
يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
أي من عبادة الآلهة والأصنام ودعائه إلها مع الله تعالى . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن خليله إبراهيم عليه السلام ، أنه لما تبين له الحق وعرفه ، شهد شهادة الحق ، وأظهر خلاف قومه أهل الباطل وأهل الشرك بالله ، ولم يأخذه في الله لومة لائم ، ولم يستوحش من قيل الحق والثبات عليه ، مع خلاف جميع قومه لقوله وإنكارهم إياه عليه ، وقال لهم : يا قوم إني بريء مما تشركون مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم وأصنامكم ، إني وجهت وجهي في عبادتي إلى الذي خلق السماوات والأرض ، الدائم الذي يبقى ولا يفنى ويحيي ويميت ، لا إلى الذي يفنى ولا يبقى ويزول ولا يدوم ولا يضر ولا ينفع . ثم أخبرهم تعالى ذكره أن توجيهه وجهه لعبادته بإخلاص العبادة له والاستقامة في ذلك لربه على ما يجب من التوحيد ، لا على الوجه الذي يوجه له وجهه من ليس بحنيف ، ولكنه به مشرك ، إذ كان توجيه الوجه لا على التحنيف غير نافع موجهه بل ضاره ومهلكه .
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يقول : ولست منكم ؛ أي لست ممن يدين دينكم ويتبع ملتكم أيها المشركون . وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول قوم إبراهيم لإبراهيم : تركت عبادة هذه ؟ فقال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
فقالوا : ما جئت بشيء ونحن نعبده ونتوجهه ، فقال : لا
حَنِيفاً
قال : مخلصا ، لا أشركه كما تشركون . القول في تأويل قوله تعالى :
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
يقول تعالى ذكره : وجادل إبراهيم قومه في توحيد الله وبراءته من الأصنام ؛ وكان جدالهم إياه قولهم : إن آلهتهم التي يعبدونها خير من إلهه .
قالَ
إبراهيم :
أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ
يقول : أتجادلونني في توحيدي الله وإخلاصي العمل له دون ما سواه من آلهة ،
وَقَدْ هَدانِ
يقول : وقد وفقني ربي لمعرفة وحدانيته ، وبصرني طريق الحق حتى ألفت أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه .
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ
يقول : ولا أرهب من آلهتكم التي تدعونها من دونه شيئا ينالني في نفسي من سوء ومكروه وذلك أنهم قالوا له : إنا نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء من برص أو خبل ، لذكرك إياها بسوء فقال لهم إبراهيم : لا أخاف ما تشركون بالله من هذه الآلهة أن تنالني