أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر ، فيأمن حتى يأتي أهله . حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد في قوله :
وَلَا الْقَلائِدَ
قال : القلائد : كان الرجل يأخذ لحاء شجرة من شجر الحرم فيتقلدها ، ثم يذهب حيث شاء ، فيأمن بذلك ، فذلك القلائد . وقال آخرون : إنما نهى الله المؤمنين بقوله :
وَلَا الْقَلائِدَ
أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم فيتقلدوه كما كان المشركون يفعلون في جاهليتهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن عطاء في قوله :
وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ
كان المشركون يأخذون من شجر مكة من لحاء السمر ، فيتقلدونها ، فيأمنون بها من الناس ، فنهى الله أن ينزع شجرها فيتقلد . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبيد الله ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، قال : جلسنا إلى مطرف بن الشخير ، وعنده رجل ، فحدثهم في قوله :
وَلَا الْقَلائِدَ
قال : كان المشركون يأخذون من شجر مكة من لحاء السمر فيتقلدون ، فيأمنون بها في الناس ، فنهى الله عز ذكره أن ينزع شجرها فيتقلد . والذي هو أولى بتأويل قوله :
وَلَا الْقَلائِدَ
إذ كانت معطوفة على أول الكلام ، ولم يكن في الكلام ما يدل على انقطاعها عن أوله ، ولا أنه عنى بها النهي عن التقلد أو اتخاذ القلائد من شيء ؛ أن يكون معناه : ولا تحلوا القلائد . فإذا كان ذلك بتأويله أولى ، فمعلوم أنه نهي من الله جل ذكره عن استحلال حرمة المقلد هديا كان ذلك أو إنسانا ، دون حرمة القلادة ؛ وأن الله عز ذكره إنما دل بتحريمه حرمة القلادة على ما ذكرنا من حرمة المقلد ، فاجتزأ بذكره القلائد من ذكر المقلد ، إذ كان مفهوما عند المخاطبين بذلك معنى ما أريد به .
فمعنى الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ، ولا الشهر الحرام ، ولا الهدي ، ولا المقلد بقسميه بقلائد الحرم . وقد ذكر بعض الشعراء في شعره ، ما ذكرنا عمن تأول القلائد أنها قلائد لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلدونه ، فقال وهو يعيب رجلين قتلا رجلين كانا تقلدا ذلك :
ألم تقتلا الحرجين إذ أعوراكما * يمران بالأيدي اللحاء المضفرا
والحرجان : المقتولان كذلك . ومعنى قوله : أعوراكما : أمكناكما من عورتهما . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ
يعني بقوله عز ذكره
وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ
ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام العامدية ، تقول منه : أممت كذا : إذا قصدته وعمدته ، وبعضهم يقول : يممته ، كما قال الشاعر :
إني كذاك إذا ما ساءني بلد * يممت صدر بعيري غيره بلدا
والبيت الحرام : بيت الله الذي بمكة ؛ وقد بينت فيما مضى لم قيل له الحرام .
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ
يعني :
يلتمسون أرباحا في تجارتهم من الله .
وَرِضْواناً
يقول : وأن يرضى الله عنهم بنسكهم . وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في رجل من بني ربيعة يقال له الحطم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : أقبل الحطم بن هند البكري ، ثم أحد بني قيس بن ثعلبة ، حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، وخلف خيله خارجة من المدينة ، فدعاه فقال : إلام تدعو ؟ فأخبره ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه النبي صلى الله عليه وسلم : " يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة ، يتكلم بلسان شيطان " . فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم قال : انظروا لعلي أسلم ، ولي من أشاوره .
فخرج من عنده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد دخل بوجه كافر ، وخرج بعقب غادر " . فمر بسرح من سرح المدينة ، فساقه ، فانطلق به وهو يرتجز :
قد لفها الليل بسواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر الوضم * باتوا نياما وابن هند لم ينم
بات يقاسيها غلام كالزلم * خدلج الساقين ممسوح القدم