تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
الثواب والجزاء ، فذلك هو أجر كل عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه ، والزيادة على ذلك تفضل من الله عليهم ، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده ؛ غير أن الذي وعد عباده المؤمنين أن يوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة ، هو ما حد مبلغه من العشر ، والزيادة على ذلك غير محدود مبلغها ، فيزيد من شاء من خلقه على ذلك قدر ما يشاء ، لا حد لقدره يوقف عليه . وقد قال بعضهم : الزيادة إلى سبعمائة ضعف . وقال آخرون : إلى ألفين . وقد ذكرت اختلاف المختلفين في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا
فإنه يعني : وأما الذين تعظموا عن الإقرار لله بالعبودة والإذعان له بالطاعة ، واستكبروا عن التذلل لألوهته وعبادته وتسليم الربوبية والوحدانية له .
فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً
يعني : عذابا موجعا .
وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
يقول : ولا يجد المستنكفون من عبادته والمستكبرون عنها إذا عذبهم الله الأليم من عذابه سوى الله لأنفسهم وليا ينجيهم من عذابه وينقذهم منه .
وَلا نَصِيراً
: ولا ناصرا ينصرهم ، فيستنقذهم من ربهم ، ويدفع عنهم بقوته ما أحل بهم من نقمته ، كالذي كانوا يفعلون بهم إذا أرادهم غيرهم من أهل الدنيا في الدنيا بسوء من نصرتهم والمدافعة عنهم . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
يعني جل ثناؤه بقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
يا أيها الناس من جميع أصناف الملل ، يهودها ونصاراها ومشركيها ، الذين قص الله جل ثناؤه قصصهم في هذه السورة ؛
قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
يقول : قد جاءتكم حجة من الله تبرهن لكم بطول ما أنتم عليه مقيمون من أديانكم ومللكم ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي جعله الله عليكم حجة قطع بها عذركم ، وأبلغ إليكم في المعذرة بإرساله إليكم ، مع تعريفه إياكم صحة نبوته وتحقيق رسالته .
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
يقول : وأنزلنا إليكم معه نورا مبينا ، يعني : يبين لكم المحجة الواضحة والسبل الهادية إلى ما فيه لكم النجاة من عذاب الله وأليم عقابه إن سلكتموها واستنرتم بضوئه . وذلك النور المبين هو القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
قال : حجة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
أي بينة من ربكم ،
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
وهو هذا القرآن . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
يقول : حجة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : برهان ، قال : بينة ؛
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
قال : القرآن . القول في تأويل قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ
يعني بذلك جل ثناؤه : فأما الذين صدقوا بالله ، وأقروا بوحدانيته ، وما بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم من أهل الملل ؛
وَاعْتَصَمُوا بِهِ
يقول : وتمسكوا بالنور المبين الذي أنزل إلى نبيه ؛ كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
وَاعْتَصَمُوا بِهِ
قال : بالقرآن .
فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ
يقول : فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته ، ويلحقهم من فضله ما ألحق أهل الإيمان به والتصديق برسله .
وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً
يقول : ويوفقهم لإصابة فضله الذي تفضل به على أوليائه ، ويسددهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته ، ولاقتفاء آثارهم ، واتباع دينهم . وذلك هو الصراط المستقيم ، وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده ، وهو الإسلام . ونصب الصراط المستقيم على
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 27 | محمد بن جرير الطبري