الدنيا ، فعكفوا على عبادته مصدقين بألوهته . وقوله :
فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ
يقول : فعفونا لعبدة العجل عن عبادتهم إياه ، وللمصدقين منهم بأنه إلههم ، بعد الذي أراهم الله أنهم لا يرون ربهم في حياتهم من الآيات ما أراهم عن تصديقهم بذلك بالتوبة التي تابوها إلى ربهم بقتلهم أنفسهم وصبرهم في ذلك على أمر ربهم .
وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً
يقول : وآتينا موسى حجة تبين عن صدقه وحقية نبوته ، وتلك الحجة هي الآيات البينات التي آتاه الله إياها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ
يعني جل ثناؤه بقوله :
وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ
يعني : الجبل ، وذلك لما امتنعوا من العمل بما في التوراة ، وقبول ما جاءهم به موسى فيها .
بِمِيثاقِهِمْ
يعني : بما أعطوا الله الميثاق والعهد : لنعملن بما في التوراة .
وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً
يعني : باب حطة ، حين أمروا أن يدخلوا منه سجودا ، فدخلوا يزحفون على أستاههم .
وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ
يعني بقوله :
لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ
لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم يبح لكم . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً
قال : كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس .
وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ
أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها ، وأحل لهم ما وراء ذلك . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أمصار الإسلام :
لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ
بتخفيف العين ؛ من قول القائل : عدوت في الأمر : إذا تجاوزت الحق فيه ، أعدو عدوا وعدوانا وعداء . وقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة : " وقلنا لهم لا تعدوا " بتسكين العين وتشديد الدال والجمع بين ساكنين ، بمعنى : " تعتدوا " ثم تدغم التاء في الدال فتصير دالا مشددة مضمومة ، كما قرأ من قرأ :
أَمَّنْ لا يَهِدِّي
يونس :
بتسكين الهاء . وقوله
وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
يعني : عهدا مؤكدا شديدا ، بأنهم يعملون بما أمرهم الله به وينتهون عما نهاهم الله عنه مما ذكره في هذه الآية ومما في التوراة . وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله كانوا أمروا بدخول الباب سجدا ، وما كان من أمرهم في ذلك ، وخبرهم وقصتهم ، وقصة السبت ، وما كان اعتداؤهم فيه ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
القول في تأويل قوله تعالى :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
يعني جل ثناؤه : فبنقض هؤلاء الذين وصفت صفتهم من أهل الكتاب ميثاقهم ، يعني عهودهم التي عاهدوا الله أن يعملوا بما في التوراة .
وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ
يقول : وجحودهم بآيات الله ، يعني : بأعلام الله وأدلته التي احتج بها عليهم في صدق أنبيائه ورسله ، وحقية ما جاءوهم به من عنده .
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
يقول :
وبقتلهم الأنبياء بعد قيام الحجة عليهم بنبوتهم بغير حق ، يعني : بغير استحقاق منهم ذلك لكبيرة أتوها ولا خطيئة استوجبوا القتل عليها . وقولهم :
قُلُوبُنا غُلْفٌ
يعني : وبقولهم : قلوبنا غلف ، يعني يقولون : عليها غشاوة وأغطية عما تدعونا إليه ، فلا نفقه ما تقول ولا نعقله . وقد بينا معنى الغلف ، وذكرنا ما في ذلك من الرواية فيما مضى قبل .
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
يقول جل ثناؤه : كذبوا في قولهم قلوبنا غلف ، ما هي بغلف ولا عليها أغطية ؛ ولكن الله جل ثناؤه جعل عليها طابعا بكفرهم بالله . وقد بينا صفة الطبع على القلب فيما مضى بما أغنى عن إعادته .
فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
يقول : فلا يؤمن هؤلاء الذين وصف الله صفتهم لطبعه على قلوبهم ، فيصدقوا بالله ورسله وما جاءتهم به من عند الله إلا إيمانا قليلا ، يعني : تصديقا قليلا . وإنما صار قليلا لأنهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به ، ولكن صدقوا ببعض الأنبياء وببعض الكتب وكذبوا ببعض ، فكان تصديقهم بما صدقوا به قليلا ، لأنهم