سَمِعْنا وَعَصَيْنا
قالوا : قد سمعنا ، ولكن لا نطيعك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره ، أنهم كانوا يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول ، ويقولون له : اسمع منا غير مسمع ، كقول القاتل للرجل يسبه : اسمع لا أسمعك الله . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
قال : هذا قول أهل الكتاب يهود ، كهيئة ما يقول الإنسان : اسمع لا سمعت ، أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشتما له واستهزاء . حدثت عن المنجاب ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس :
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
قال : يقولون لك : واسمع لاسمعت . وقد روي عن مجاهد والحسن أنهما كانا يتأولان في ذلك بمعنى : واسمع غير مقبول منك . ولو كان ذلك معناه لقيل : واسمع غير مسموع ، ولكن معناه : واسمع لا يسمع ، ولكن قال الله تعالى ذكره :
لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ
فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم والطعن في الدين بسب النبي صلى الله عليه وسلم . وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد :
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
يقول : غير مقبول ما تقول ، فهو كما :
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
قال : غير مستمع . قال ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد :
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
غير مقبول ما تقول .
حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن ، في قوله :
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
قال : كما تقول : اسمع غير مسموع منك . وحدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : كان ناس منهم يقولون :
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
كقولك : اسمع غير صاغ . القول في تأويل قوله تعالى :
وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ
يعني بقوله :
وَراعِنا
أي راعنا سمعك ، افهم عنا وأفهمنا .
وقد بينا تأويل ذلك في سورة البقرة بأدلته بما فيه الكفاية عن إعادته . ثم أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ
يعني : تحريكا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه ، واستخفافا منهم بحق النبي صلى الله عليه وسلم
وَطَعْناً فِي الدِّينِ
كما : حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : قال قتادة : كانت اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا سمعك يستهزئون بذلك ، فكانت في اليهود قبيحة ، فقال :
راعنا سمعك ليا بألسنتهم ؛ واللي : تحريكهم ألسنتهم بذلك ،
وَطَعْناً فِي الدِّينِ
حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
راعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ
كان الرجل من المشركين يقول : أرعني سمعك يلوي بذلك لسانه ، يعني : يحرف معناه . حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
إلى :
وَطَعْناً فِي الدِّينِ
فإنهم كانوا يستهزئون ويلوون ألسنتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويطعنون في الدين . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد :
وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ
قال : " راعنا " طعنهم في الدين ، وليهم بألسنتهم ليبطلوه ويكذبوه . قال : والراعن : الخطأ من الكلام . حدثت عن المنجاب ، قال : ثنا بشر ، قال : أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله :
لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ
قال : تحريفا بالكذب . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ
يعني بذلك جل ثناؤه : ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم قالوا لنبي الله : سمعنا يا محمد قولك ، وأطعنا أمرك ، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله ، واسمع منا ، وانظرنا ما نقول ، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا ،
لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ