مثقال ذرة من حسنة . فيقول للملائكة : ضعفوها لعبدي ، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداق ذلك في كتاب الله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
أي الجنة يعطيها ، وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته ، قالت الملائكة وهو أعلم بذلك : إلهنا فنيت حسناته وبقي سيئاته ، وبقي طالبون كثير فيقول الله : ضعوا عليها من أوزارهم واكتبوا له كتابا إلى النار قال صدقة : " أو صكا إلى جهنم " ، شك صدقة أيتهما قال : وحدثت عن محمد بن عبيد ، عن هارون بن عنترة ، عن عبد الله بن السائب ، قال : سمعت زاذان يقول : قال عبد الله بن مسعود : يأخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة ، فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين : هذا فلان ابن فلان ، من كان له حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة أن يذوب لها الحق على أبيها ، أو على ابنها ، أو على أخيها ، أو على زوجها ، ثم قرأ ابن مسعود :
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
فيغفر الله تبارك وتعالى من حقه ما شاء ، ولا يغفر من حقوق الناس شيئا ، فينصب للناس فيقول : آتوا إلى الناس حقوقهم فيقول : رب فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم ؟ فيقول : خذوا من أعماله الصالحة ، فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر مظلمته ، فإن كان وليا لله ، ففضل له مثقال ذرة ضاعفها له حتى يدخله بها الجنة ثم قرأ علينا :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
وإن كان عبدا شقيا قال الملك : رب فنيت حسناته ، وبقي طالبون كثير . فيقول : خذوا من سيئاتهم ، فأضيفوها إلى سيئاته ، ثم صكوا له صكا إلى النار . قال أبو جعفر : فتأويل الآية على تأويل عبد الله هذا : إن الله لا يظلم عبدا وجب له مثقال ذرة قبل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه ، ولكنه يأخذه منه له ، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تبعته قبله .
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها
يقول : وإن توجد له حسنة يضاعفها ، بمعنى : يضاعف له ثوابها وأجرها .
وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
يقول : ويعطه من عنده أجرا عظيما . والأجر العظيم : الجنة على ما قاله عبد الله . ولكلا التأويلين وجه مفهوم ، أعني التأويل الذي قاله ابن مسعود والذي قاله قتادة .
وإنما اخترنا التأويل الأول لموافقته الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته ، إذ كان في سياق الآية التي قبلها ، التي حث الله فيها على النفقة في طاعته ، وذم النفقة في طاعة الشيطان ، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً
فقرأت ذلك عامة قراء العراق :
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً
بنصب الحسنة ، بمعنى : وإن تك زنة الذرة حسنة يضاعفها . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة : " وإن تك حسنه " برفع الحسنة ، بمعنى : وإن توجد حسنة على ما ذكرت عن عبد الله بن مسعود من تأويل ذلك . وأما قوله :
يُضاعِفْها
فإنه جاء بالألف ، ولم يقل : " يضعفها " ، لأنه أريد به في قول بعض أهل العربية : يضاعفها أضعافا كثيرة ؛ ولو أريد به في قوله يضعف ذلك ضعفين لقيل :
" يضعفها " بالتشديد . ثم اختلف أهل التأويل في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها ، فقال بعضهم : هم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم . واعتلوا في ذلك بما : حدثنا الفضل بن الصباح ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن مبارك بن فضالة ، عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان النهدي ، قال :
لقيت أبا هريرة فقلت له : إنه بلغني أنك تقول : إن الحسنة لتضاعف ألف ألف حسنة قال : وما أعجبك من ذلك ؟ فوالله لقد سمعته يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " . وقال آخرون : بل ذلك المهاجرون خاصة دون أهل البوادي والأعراب . واعتلوا في ذلك بما : حدثني محمد بن هارون أبو نشيط ، قال : ثنا يحيى بن أبي بكير ، قال : ثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي ، عن عبد الله بن عمر ، قال : نزلت هذه الآية في الأعراب :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
قال : فقال رجل : فما للمهاجرين ؟ قال : " ما هو أعظم من ذلك :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً