لمن شهد له وعمن شهد عليه . وأما إعراضه عنها ، فإنه تركه أداءها والقيام بها فلا يشهد بها العدل في الشهادة . وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب ، لأن الله جل ثناؤه قال :
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ
فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء ، وأظهر معاني الشهداء ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة . واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَإِنْ تَلْوُوا
فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار سوى الكوفة
وَإِنْ تَلْوُوا
بواوين من : لواني الرجل حقي ، والقوم يلوونني ديني ، وذلك إذا مطلوه ، ليا . وقرأ ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة : " وإذ تلوا " بواو واحدة ؛ ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان : أحدهما أن يكون قارئها أراد همز الواو لانضمامها ، ثم أسقط الهمز ، فصار إعراب الهمز في اللام إذ أسقطه ، وبقيت واو واحدة ، كأنه أراد : تلووا ، ثم حذف الهمز . وإذا عني هذا الوجه كان معناه معنى من قرأ :
وَإِنْ تَلْوُوا
بواوين غير أنه خالف المعروف من كلام العرب ، وذلك أن الواو الثانية من قوله :
تَلْوُوا
واو جمع ، وهي علم لمعنى ، فلا يصح همزها ثم حذفها بعد همزها ، فيبطل علم المعنى الذي له أدخلت الواو المحذوفة . والوجه الآخر : أن يكون قارئها كذلك ، أراد : إن تلوا ، من الولاية ، فتكون معناه : وإن تلوا أمور الناس ، أو تتركوا . وهذا معنى إذا وجه القارئ قراءته على ما وصفنا إليه ، خارج عن معاني أهل التأويل وما وجه إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون تأويل الآية . فإذا كان فساد ذلك واضحا من كلا وجهيه ، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا :
وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا
بمعنى اللي : الذي هو مطل ، فيكون تأويل الكلام : وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيام له بها . فتغيروها ، وتبدلوا ، أو تعرضوا عنها ، فتتركوا القيام له بها ، كما يلوي الرجل دين الرجل ، فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلا منه له ، كما قال الأعشى :
يلوينني ديني النهار واقتضي * ديني إذا وقذ النعاس الرقدا
وأما تأويل قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
فإنه أراد : فإن الله كان بما يعملون من إقامتكم الشهادة وتحريفكم إياها وإعراضكم عنها بكتمانكموها ، خبيرا ، يعني : ذا خبرة وعلم به ، يحفظ ذلك منكم عليكم حتى يجازيكم به جزاءكم في الآخرة ، المحسن منكم بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، يقول : فاتقوا ربكم في ذلك .
القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ . . .
ضَلالًا بَعِيداً
يعني بذلك جل ثناؤه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل ، وصدقوا بما جاءوهم به من عند الله .
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
يقول : صدقوا بالله ، وبمحمد رسوله ، أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم .
وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ
يقول : وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه ، وذلك القرآن .
وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ
يقول : وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل . فإن قال قائل : وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه وقد سماهم مؤمنين ؟ قيل : إنه جل ثناؤه لم يسمهم مؤمنين ، وإنما وصفهم بأنهم آمنوا ، وذلك وصف لهم بخصوص من التصديق ، وذلك أنهم كانوا صنفين : أهل توراة مصدقين بها وبمن جاء بها ، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما ؛ وصنف أهل إنجيل وهم مصدقون به وبالتوراة وسائر الكتب ، مكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان . فقال جل ثناؤه لهم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
يعني : بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل ،
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
محمد صلى الله عليه وسلم ،
وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ
فإنكم قد علمتم أن محمدا رسول الله تجدون صفته في كتبكم ،
وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ
الذي تزعمون أنكم به