فعلا فيكون نصبا ، لأنه حينئذ يكون استثناء منقطعا ، لأنه من خلاف النجوى ، فيكون ذلك نظير قول الشاعر :
وما بالربع من أحد * إلا أواري لآيا ما أبينها
وقد يحتمل " من " على هذا التأويل أن يكون رفعا ، كما قال الشاعر :
وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك ، أن تجعل " من " في موضع خفض بالرد على النجوى ، وتكون النجوى بمعنى جمع المتناجين ، خرج مخرج السكرى والجرحى والمرضى ، وذلك أن ذلك أظهر معانيه ، فيكون تأويل الكلام : لا خير في كثير من المتناجين يا محمد من الناس ، إلا فيمن أمر بصدقة أو معروف ، أو إصلاح بين الناس ، فإن أولئك فيهم الخير . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى . . .
وَساءَتْ مَصِيراً
يعني جل ثناؤه بقوله :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ
ومن يباين الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم معاديا له ، فيفارقه على العداوة له ؛
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى
يعني : من بعد ما تبين له أنه رسول الله ، وإن ما جاء به من عند الله يهدي إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم .
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
يقول : ويتبع طريقا غير طريق أهل التصديق ، ويسلك منهاجا غير منهاجهم ، وذلك هو الكفر بالله ، لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين وغير منهاجهم .
نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى
يقول : نجعل ناصره ما استنصره واستعان به من الأوثان والأصنام ، وهي لا تغنيه ولا تدفع عنه من عذاب الله شيئا ولا تنفعه . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى
قال : من آلهة الباطل . حدثني ابن المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
نُصْلِهِ جَهَنَّمَ
يقوله : ونجعله صلاء نار جهنم ، يعني نحرقه بها ، وقد بينا معنى الصلى فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
وَساءَتْ مَصِيراً
يقول : وساءت جهنم مصيرا : موضعا يصير إليه من صار إليه . ونزلت هذه الآية في الخائنين الذين ذكرهم الله في قوله :
وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
لما أبى التوبة من أبى منهم ، وهو طعمة بن الأبيرق ، ولحق بالمشركين من عبدة الأوثان بمكة مرتدا مفارقا لرسول الله ودينه . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . . .
بَعِيداً
يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله لا يغفر لطعمة إذ أشرك ومات على شركه بالله ولا لغيره من خلقه بشركهم وكفرهم به ؛
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
يقول : ويغفر ما دون الشرك بالله من الذنوب لمن يشاء ، يعني بذلك جل ثناؤه : أن طعمة لولا أنه أشرك بالله ومات على شركه لكان في مشيئة الله على ما سلف من خيانته ومعصيته ، وكان إلى الله أمره في عذابه والعفو عنه . وكذلك حكم كل من اجترم جرما ، فإلى الله أمره ، إلا أن يكون جرمه شركا بالله وكفرا ، فإنه ممن حتم عليه أنه من أهل النار إذا مات على شركه ، فإذا مات على شركه ، فقد حرم الله عليه الجنة ، ومأواه النار . وقال السدي في ذلك بما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
يقول : من يجتنب الكبائر من المسلمين . وأما قوله :
وَمَنْ