تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه الشفقة له وللأنصاري ، فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري استوعب للزبير حقه في صريح الحكم . قال : فقال الزبير : ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
الآية . حدثني يعقوب ، قال : ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، قال : خاصم الزبير رجل من الأنصار في شرج من شراج الحرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا زبير ، اشرب ثم خل سبيل الماء " فقال الذي من الأنصار : اعدل يا نبي الله وإن كان ابن عمتك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف أن قد ساءه ما قال ، ثم قال : " يا زبير احبس الماء إلى الجدر أو إلى الكعبين ، ثم خل سبيل الماء " ، قال : ونزلت :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
. حدثني عبد الله بن عمير الرازي ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، قال : ثنا سفيان ، قال : ثنا عمرو بن دينار ، عن سلمة رجل من ولد أم سلمة ، عن أم سلمة : أن الزبير خاصم رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير ، فقال الرجل لما قضى للزبير : أن كان ابن عمتك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأنزل الله :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
. وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في المنافق واليهودي اللذين وصف الله صفتهما في قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ
. ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
قال : هذا الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي بنحوه ، إلا أنه قال : إلى الكاهن . قال أبو جعفر : وهذا القول أعني قول من قال : عني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
أولى بالصواب ، لأن قوله :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
في سياق قصة الذين ابتدأ الله الخبر عنهم بقوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
، ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم ، فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأت دلالة على انقطاعه أولى . فإن ظن ظان أن في الذي روي عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصاري في شراج الحرة ، وقول من قال في خبرهما ، فنزلت :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ما ينبئ عن انقطاع حكم هذه الآية وقصتها من قصة الآيات قبلها ، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت في حصة المحتكمين إلى الطاغوت ، ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاري ، إذ كانت الآية دالة على ذلك . وإذ كان ذلك غير مستحيل ، كان إلحاق معنى بعض ذلك ببعض أولى ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد ، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض ، فيعدل به عن معنى ما قبله . وأما قوله :
وَيُسَلِّمُوا
فإنه منصوب عطفا على قوله :
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
. وقوله :
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
نصب عطفا على قوله :
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
. القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
يعني جل ثناؤه بقوله :
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم ، وأمرناهم بذلك ، أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها ما فعلوه ، يقول : ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ، ولا هاجروا من ديارهم فيخرجوا عنها إلى الله ورسوله طاعة لله ولرسوله ، إلا قليل
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 101 | محمد بن جرير الطبري