من أهل الكتاب ، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ،
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ
يعني بذلك : وإذا قيل لهم : تعالوا هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه ،
وَإِلَى الرَّسُولِ
ليحكم بيننا ،
رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ
يعني بذلك : يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم ، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم صدودا .
وقال ابن جريج في ذلك بما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ
قال : دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم ، قال : رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا . وأما على تأويل قول من جعل الداعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي والمدعو إليه المنافق على ما ذكرت من أقوال من قال ذلك في تأويل قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
فإنه على ما بينت قبل . القول في تأويل قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً
يعني بذلك جل ثناؤه : فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك
إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
يعني : إذا نزلت بهم نقمة من الله ،
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
يعني :
بذنوبهم التي سلفت منهم ،
ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
يقول : ثم جاءوك يحلفون بالله كذبا وزورا ،
إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً
وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يردعهم عن النفاق العبر والنقم ، وأنهم وإن تأتهم عقوبة من الله على تحاكمهم إلى الطاغوت ، لم ينيبوا ولم يتوبوا ، ولكنهم يحلفون بالله كذبا وجرأة على الله ماأردنا باحتكامنا إليه إلا الإحسان من بعضنا إلى بعض ، والصواب فيما احتكمنا فيه إليه . القول في تأويل قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ
يعني جل ثناؤه بقوله :
أُولئِكَ
هؤلاء المنافقون الذين وصفت لك يا محمد صفتهم ، يعلم الله ما في قلوبهم في احتكامهم إلى الطاغوت ، وتركهم الاحتكام إليك ، وصدودهم عنك من النفاق والزيغ ، وإن حلفوا بالله ما أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ،
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ
يقول : فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم ، ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأس الله أن يحل بهم ، وعقوبته أن تنزل بدارهم ، وحذرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله .
وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً
يقول : مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
يعني بذلك جل ثناؤه : لم نرسل يا محمد رسولا إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه ، يقول تعالى ذكره : فأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلته إليه . وإنما هذا من الله توبيخ للمحتكمين من المنافقين الذين كانوا يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما اختصموا فيه إلى الطاغوت ، صدودا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول لهم تعالى ذكره : ما أرسلت رسولا إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه ، فمحمد صلى الله عليه وسلم من أولئك الرسل ، فمن ترك طاعته والرضا بحكمه واحتكم إلى الطاغوت ، فقد خالف أمري وضيع فرضي طاعة الرسول . ثم أخبر جل ثناؤه أن من أطاع رسله ، فإنما يطيعهم بإذنه ، يعني بتقديره ذلك وقضائه السابق في علمه ومشيئته . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، في قول الله :
إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
واجب لهم أن يطيعه من شاء الله ، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله طاعة الرسول . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . وإنما هذا تعريض من الله تعالى ذكره لهؤلاء المنافقين بأن تركهم طاعة الله وطاعة رسوله والرضا بحكمه ، إنما هو للسابق لهم من خذلانه وغلبة الشقاء عليهم ، ولولا ذلك لكانوا