ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فإنه يعني : والله ذو طول على أهل الإيمان به وبرسوله بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم ، فإن عاقبهم على بعض ذلك ، فذو إحسان إليهم بجميل أياديه عندهم . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يقول : وكذلك من الله على المؤمنين أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبا وموعظة ، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم ، لما أصابوا من معصيته ، رحمة لهم ، وعائدة عليهم لما فيهم من الإيمان . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ يعني بذلك جل ثناؤه : ولقد عفا عنكم أيها المؤمنون إذ لم يستأصلكم ، إهلاكا منه جمعكم بذنوبكم ، وهربكم ؛ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه عامة قراء الحجاز والعراق والشام سوى الحسن البصري : إِذْ تُصْعِدُونَ بضم التاء وكسر العين ، وبه القراءة عندنا لإجماع الحجة من القراء على القراءة به ، واستنكارهم ما خالفه . وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه : " إذ تصعدون " بفتح التاء والعين . حدثني بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن . فأما الذين قرءوا : تُصْعِدُونَ بضم التاء وكسر العين ، فإنهم وجهوا معنى ذلك إلى أن القوم حين انهزموا عن عدوهم أخذوا في الوادي هاربين . وذكروا أن ذلك في قراءة أبي : " إذ تصعدون في الوادي " . حدثنا أحمد بن يوسف ، قال : ثنا أبو عبيد ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون . قالوا : الهرب في مستوى الأرض ، وبطون الأودية والشعاب ، إصعاد لا صعود ، قالوا وإنما يكون الصعود على الجبال والسلاليم والدرج ، لأن معنى الصعود : الارتقاء والارتفاع على الشيء علوا . قالوا : فأما الأخذ في مستوى الأرض الهبوط ، فإنما هو إصعاد ، كما يقال : أصعدنا من مكة ، إذا ابتدأت في السفر منها والخروج ، وأصعدنا من الكوفة إلى خراسان ، بمعنى خرجنا منها سفرا إليها ، وابتدأنا منها الخروج إليها . قالوا : وإنما جاء تأويل أكثر أهل التأويل بأن القوم أخذوا عند انهزامهم عن عدوهم في بطن الوادي . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ذاكم يوم أحد أصعدوا في الوادي فرارا ، ونبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم ، قال : " إلى عباد الله ، إلى عباد الله " . وأما الحسن فإني أراه ذهب في قراءته : " إذ تصعدون " بفتح التاء والعين إلى أن القوم حين انهزموا عن المشركين صعدوا الجبل . وقد قال ذلك عدد من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم ، دخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة ، فقاموا عليها ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس : " إلي عباد الله ، إلي عباد الله " فذكر الله صعودهم على الجبل ، ثم ذكر دعاء نبي الله إياهم ، فقال : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : انحازوا إلى النبي صلى ، فجعلوا يصعدون في الجبل ، والرسول يدعوهم في أخراهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس ، قوله : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ قال : صعدوا في أحد فرارا . قال أبو جعفر : وقد ذكرنا أن أولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ : إِذْ تُصْعِدُونَ بضم التاء وكسر العين ، بمعنى السبق والهرب في مستوى الأرض ، أو في المهابط ، لإجماع
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحه 87
پدیدآورندگان: محمد بن جرير الطبري
ص۸۷