ثنا سفيان ، عن حبيب ، عن سعيد ، قال : قلت لابن عباس : إن أصحاب عبد الله يقرءون
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
" وإذ أخذ الله ميثاق النبيين " قال : فقال : أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم .
وأما قوله : " ليبيننه للناس " . فإنه كما : حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا محمد بن ذكوان ، قال : ثنا أبو نعامة السعدي ، قال : كان الحسن يفسر قوله : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه " ليتكلمن بالحق وليصدقنه بالعمل .
واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم :
لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
بالتاء ، وهي قراءة أعظم قراء أهل المدينة والكوفة على وجه المخاطب ، بمعنى : قال لهم : لتبيننه للناس ولا تكتمونه وقرأ ذلك آخرون : " ليبيننه للناس ولايكتمونه " بالياء جميعا على وجه الخبر عن الغائب ، لأنهم في وقت إخبار الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك عنهم كانوا غير موجودين ، فصار الخبر عنهم كالخبر عن الغائب . والقول في ذلك عندنا : أنهما قراءتان صحيحة وجوههما ، مستفيضتان في قراءة الإسلام ، غير مختلفتي المعاني ، فبأيتهما قرأ القارئ فقد أصاب الحق والصواب في ذلك . غير أن الأمر في ذلك وإن كان كذلك ، فإن أحب القراءتين إلي أن أقرأ بها : " ليبيننه للناس ولايكتمونه " بالياء جميعا استدلالا بقوله :
فَنَبَذُوهُ
أنه إذا كان قد خرج مخرج الخبر عن الغائب على سبيل قوله :
فَنَبَذُوهُ
حتى يكون متسقا كله على معنى واحد ومثال واحد ، ولو كان الأول بمعنى الخطاب لكان أن يقال : فنبذتموه وراء ظهوركم ، أولى من أن يقال : فنبذوه وراء ظهورهم . وأما قوله :
فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
فإنه مثل لتضييعهم القيام بالميثاق ، وتركهم العمل به . وقد بينا المعنى الذي من أجله قيل ذلك كذلك فيما مضى من كتابنا هذا ، فكرهنا إعادته . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال :
ثنا ابن إدريس ، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب البجلي ، عن الشعبي في قوله :
فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
قال : إنهم قد كانوا يقرءونه إنما نبذوا العمل به . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
قال : نبذوا الميثاق . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا عثمان بن عمر ، قال : ثنا مالك بن مغول ، قال : نبئت عن الشعبي في هذه الآية :
فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
قال :
قذفوه بين أيديهم ، وتركوا العمل به . . وأما قوله :
وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
فإن معناه ما قلنا من أخذهم ما أخذوا على كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب . كما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
أخذوا طمعا ، وكتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم . وقوله :
فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ
يقول : فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب . كما : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ
قال : تبديل اليهود التوراة . القول في تأويل قوله تعالى :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : عني بذلك قوم من أهل النفاق كانوا يقعدون خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا العدو ، فإذا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سهل بن عسكر وابن عبد الرحيم البرقي ، قالا : ثنا ابن أبي مريم ، قال : ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير ، قال : ثني زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري : أن رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف