قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ
الآية . قال :
الحكمة : هي النبوة . وقد بينا فيما مضى معنى الحكمة ، وأنها مأخوذة من الحكم وفصل القضاء ، وأنها الإِصابة بما دل على صحته ، فأغنى ذلك عن تكريره في هذا الموضع . فإذا كان ذلك كذلك معناه ، كان جميع الأَقوال التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك داخلا فيما قلنا من ذلك ، لأَن الإِصابة في الأَمور إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة . وإذا كان ذلك كذلك كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره فهما خاشيا لله فقيها عالما ، وكانت النبوة من أقسامه ، لأَن الأَنبياء مسددون مفهمون ، وموفقون لإِصابة الصواب في بعض الأَمور ، والنبوة بعض معاني الحكمة . فتأويل الكلام : يؤتي الله إصابة الصواب في القول والفعل من يشاء ، ومن يؤته الله ذلك فقد آتاه خيرا كثيرا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
. يعني بذلك جل ثناؤه : وما يتعظ بما وعظ به ربه في هذه الآيات التي وعظ فيها المنفقين أموالهم بما وعظ به غيرهم فيها ، وفي غيرها من آي كتابه ، فيذكر وعده ووعيده فيها ، فينزجر عما زجره عنه ربه ، ويطيعه فيما أمره به ،
إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
، يعني : إلا أولوا العقول الذين عقلوا عن الله عز وجل أمره ونهيه .
فأخبر جل ثناؤه أن المواعظ غير نافعة إلا أولي الحجا والحلوم ، وأن الذكرى غير ناهية إلا أهل النهي والعقول .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
يعني بذلك جل ثناؤه : وأي نفقة أنفقتم ، يعني أي صدقة تصدقتم ، أو أي نذر نذرتم ؛ يعني بالنذر : ما أوجبه المرء على نفسه تبررا في طاعة الله ، وتقربا به إليه ، من صدقة أو عمل خير ،
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
أي أن جميع ذلك بعلم الله ، لا يعزب عنه منه شيء ، ولا يخفى عليه منه قليل ولا كثير ، ولكنه يحصيه أيها الناس عليكم حتى يجازيكم جميعكم على جميع ذلك ، فمن كانت نفقته منكم وصدقته ونذره ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من نفسه ، جازاه بالذي وعده من التضعيف ؛ ومن كانت نفقته وصدقته رياء الناس ونذروه للشيطان جازاه بالذي أوعده من العقاب وأليم العذاب . كالذي : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
ويحصيه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . ثم أوعد جل ثناؤه من كانت نفقته رياء ونذوره طاعة للشيطان ، فقال :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
يعني : وما لمن أنفق ماله رياء الناس وفي معصية الله ، وكانت نذوره للشيطان وفي طاعته ،
مِنْ أَنْصارٍ
. وهم جمع نصير ، كما الأَشراف جمع شريف . ويعني بقوله :
مِنْ أَنْصارٍ
من ينصرهم من الله يوم القيامة ، فيدفع عنهم عقابه يومئذ بقوة وشدة بطش ولا بفدية . وقد دللنا على أن الظالم :
هو الواضع للشيء في غير موضعه . وإنما سمى الله المنفق رياء الناس ، والناذر في غير طاعته ظالما ، لوضعه إنفاق ماله في غير موضعه ونذره في غير ماله وضعه فيه ، فكان ذلك ظلمه . فإن قال لنا قائل : فكيف قال :
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
ولم يقل : يعلمهما ، وقد ذكر النذر والنفقة ؟ قيل : إنما قال :
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
لأَنه أراد : فإن الله يعلم ما أنفقتم أو نذرتم ، فلذلك وحد الكناية . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
يعني بقوله جل ثناؤه
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ
إن تعلنوا الصدقات فتعطوها من تصدقتم بها عليه ،
فَنِعِمَّا هِيَ
يقول : فنعم الشيء هي .
وَإِنْ تُخْفُوها
يقول : وإن تستروها فلم تعلنوها
وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ
يعني : وتعطوها الفقراء في السر ،
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
يقول : فإخفاؤكم إياها خير لكم من إعلانها . وذلك إعلان الصدقة في صدقة التطوع . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ