تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثنا ابن زيد ، قال : قال : يعني جل ثناؤه :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ
في عيسى على ما قد بيناه فيما مضى قال : فأبوا ، يعني الوفد من نجران ، فقال : ادعهم إلى أيسر من هذا ،
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
فقرأ حتى بلغ :
أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
فأبوا أن يقبلوا هذا ولا الآخر . وإنما قلنا : عنى بقوله :
يا أَهْلَ الْكِتابِ
أهل الكتابين ، لأنهما جميعا من أهل الكتاب ، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله :
يا أَهْلَ الْكِتابِ
بعضا دون بعض ، فليس بأن يكون موجها ذلك إلى أنه مقصود به أهل التوراة بأولى منه ، بأن يكون موجها إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل ، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دون غيرهم من أهل التوراة . وإذ لم يكن أحد الفريقين بذلك بأولى من الآخر ، لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر ، ولا أثر صحيح ، فالواجب أن يكون كل كتابي معنيا به ، لأن إفراد العبادة لله وحده ، وإخلاص التوحيد له ، واجب على كل مأمور منهي من خلق الله ، وأهل الكتاب يعم أهل التوراة وأهل الإنجيل ، فكان معلوما بذلك أنه عني به الفريقان جميعا . وأما تأويل قوله :
تَعالَوْا
فإنه : أقبلوا وهلموا ، وإنما هو تفاعلوا من العلو ، فكأن القائل لصاحبه : تعالى إلي ، فإنه تفاعل من العلو ، كما يقال : تدان مني من الدنو ، وتقارب مني من القرب . وقوله :
إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ
فإنها الكلمة العدل ، و " السواء " : من نعت " الكلمة " . وقد اختلف أهل العربية في وجه اتباع سواء في الإعراب لكلمة ، وهو اسم لا صفة ، فقال بعض نحويي البصرة : جر سواء لأنها من صفة الكلمة : وهي العدل ، وأراد مستوية . قال : ولو أراد استواء كان النصب ، وإن شاء أن يجعلها على الاستواء ويجر جاز ، ويجعله من صفة الكلمة مثل الخلق ، لأن الخلق هو المخلوق ، والخلق قد يكون صفة واسما ، ويجعل الاستواء مثل المستوي ، قال عز وجل :
الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
لأن السواء للآخر وهو اسم ليس بصفة ، فيجرى على الأول وذلك إذا أراد به الاستواء ، فإن أراد به مستويا جاز أن يجري على الأول ، والرفع في ذا المعنى جيد ، لأنها لا تغير عن حالها ، ولا تثنى ، ولا تجمع ، ولا تؤنث ، فأشبهت الأسماء التي هي مثل عدل ورضا وجنب ، وما أشبه ذلك . وقال :
أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
فالسواء للمحيا والممات بهذا المبتدأ . وإن شئت أجريته على الأول وجعلته صفة مقدمة ، كأنها من سبب الأول فجرت عليه ، وذلك إذا جعلته في معنى مستوي ، والرفع وجه الكلام كما فسرت لك . وقال بعض نحويي الكوفة : سواء " مصدر وضع موضع الفعل ، يعني موضع متساوية ومتساو ، فمرة يأتي عن الفعل ، ومرة على المصدر ، وقد يقال في سواء بمعنى عدل : سوى وسوى ، كما قال جل ثناؤه :
مَكاناً سُوىً
و " سوى " يراد به عدل ونصف بيننا وبينك . وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ذلك " إلى كلمة عدل بيننا وبينكم " . وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله :
إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا