تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
إليها من الصفة ما هو لها . وأما قوله :
بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
فإن معناه : ينفع الناس في البحر . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ
وفيما أنزله الله من السماء من ماء ، وهو المطر الذي ينزله الله من السماء . وقوله :
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
وإحياؤها : عمارتها وإخراج نباتها والهاء التي في " به " عائدة على الماء والهاء والأَلف في قوله :
بَعْدَ مَوْتِها
على الأَرض ، وموت الأَرض : خرابها ودثور عمارتها ، وانقطاع نباتها الذي هو للعباد أقوات وللأَنام أرزاق . القول في تأول قوله تعالى :
وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
وإن فيما بث في الأَرض من دابة . ومعنى قوله ،
وَبَثَّ فِيها
وفرق فيها ، من قول القائل : بث الأَمير سراياه : يعنى فرق . والهاه والأَلف في قوله : " فيها " عائدتان على الأَرض . والدابة الفاعلة من قول القائل دبت الدابة تدب دبيبا فهي دابة ، والدابة اسم لكل ذي روح كان غير طائر بجناحيه لدبيبه على الأَرض . القول في تأويل قوله تعالى :
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
وفي تصريفه الرياح ، فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول ، كما قال : يعجبني إكرام أخيك ، يريد إكرامك أخاك وتصريف الله إياها تصريف الرياح إرسال الرياح : أن يرسلها مرة لواقح ، ومرة يجعلها عقيما ، ويبعثها عذابا تدمر كل شيء بأمر ربها . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
إرسال الرياح
وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ
قال : قادر والله ربنا على ذلك ، إذا شاء جعلها عذابا ريحا عقيما لا تلقح ، إنما هي عذاب على من أرسلت عليه . وزعم بعض أهل العربية أن معنى قوله :
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
إرسال الرياح أنها تأتي مرة جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا ؛ ثم قال : وذلك تصريفها . وهذه الصفة التي وصف الرياح بها صفة تصرفها لا صفة تصريفها ، لأَن تصريفها تصريف الله لها ، وتصرفها اختلاف هبوبها . وقد يجوز أن يكون معنى قوله :
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
إرسال الرياح تصريف الله تعالى ذكره هبوب الرياح باختلاف مهابها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
يعني تعالى ذكره بقوله
وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ
وفي السحاب جمع سحابة ، يدل على ذلك قوله تعالى ذكره :
وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ
فوحد المسخر وذكره ، كما قال : هذه تمرة وهذا تمر كثير في جمعه ، وهذه نخلة وهذا نخل . وإنما قيل للسحاب سحاب إن شاء الله لجر بعضه بعضا وسحبه إياه ، من قول القائل : مر فلان يجر ذيله : يعني يسحبه . فأما معنى قوله :
لَآياتٍ
فإنه علامات ودلالات على أن خالق ذلك كله ومنشئه إله واحد ،
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
لمن عقل مواضع الحجج وفهم عن الله أدلته على وحدانيته . فأعلم تعالى ذكره عباده بأن الأَدلة والحجج إنما وضعت معتبرا لذوي العقول والتمييز دون غيرهم من الخلق ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأَمر والنهي ، والمكلفين بالطاعة والعبادة ، ولهم الثواب وعليهم العقاب . فإن قال قائل : وكيف احتج على أهل الكفر بقوله :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
الآية في توحيد الله ، وقد علمت أن أصنافا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السماوات والأَرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقة ؟ قيل : إن إنكار من أنكر ذلك غير دافع أن يكون جميع ما ذكر تعالى ذكره في هذه الآية دليلا على خالقه وصانعه ، وأن له مدبرا لا يشبهه شيء ، وبارئا لا مثل له . وذلك وإن كان كذلك ، فإن الله إنما حاج بذلك قوما كانوا مقرين بأن الله خالقهم ، غير أنهم يشركون في عبادته عبادة الأَصنام والأَوثان ؛ فحاجهم تعالى ذكره فقال إذ أنكروا قوله :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
وزعموا أن له شركاء من الآلهة : إن إلهكم الذي خلق السماوات ، وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر ، وذلك هو معنى قوله :
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
وأنزل إليكم الغيث من السماء ، فأخصب به جنابك بعد جدوبه ، وأمرعه بعد دثوره ، فنعشكم به بعد قنوطكم ، وذلك هو معنى قوله :
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
. وسخر لكم الأَنعام فيها لكم مطاعم ومآكل ، ومنها جمال