فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه ، فأوحى إليه : إني معطيهم ، فأجعل لهم الصفا ذهبا ، ولكن إن كذبوا عذبتهم عذابا لم أعذبه أحدا من العالمين . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ذرني وقومي فأدعوهم يوما بيوم " فأنزل الله عليه :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الآية ، إن في ذلك لآية لهم ، إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبا ، فخلق الله السماوات والأَرض واختلاف الليل والنهار أعظم من أن أجعل لهم الصفا ذهبا ليزدادوا يقينا .
حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : غير لنا الصفا ذهبا إن كنت صادقا أنه منه فقال الله : إن في هذه الآيات لآيات لقوم يعقلون . وقال : قد سأل الآيات قوم قبلكم ، ثم أصبحوا بها كافرين . والصواب من القول في ذلك ، أن الله تعالى ذكره نبه عباده على الدلالة على وحدانيته وتفرده بالألوهية دون كل ما سواه من الأَشياء بهذه الآية . وجائز أن تكون نزلت فيما قاله عطاء ، وجائز أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى ، ولا خبر عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذر فيجوز أن يقضي أحد لأَحد الفريقين بصحة قول على الآخر . وأي القولين كان صحيحا فالمراد من الآية ما قلت .
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. يعني تعالى ذكره بقوله :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إن في إنشاء السماوات والأَرض وابتداعهما . ومعنى خلق الله الأَشياء : ابتداعه وإيجاده إياها بعد أن لم تكن موجودة . وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل " الأَرض " ولم تجمع كما جمعت السماوات ، فأغنى ذلك عن إعادته . فإن قال لنا قائل : وهل للسموات والأَرض خلق هو غيرها فيقال : إن في خلق السماوات والأَرض ؟ قيل : قد اختلف في ذلك ، فقال بعض الناس : لها خلق هو غيرها ، واعتلوا في ذلك بهذه الآية ، وبالتي في سورة الكهف :
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ
وقالوا : لم يخلق الله شيئا إلا والله له مريد . قالوا : فالأَشياء كانت بإرادة الله ، والإِرادة خلق لها . وقال آخرون : خلق الشيء صفة له ، لا هي هو ولا غيره . قالوا : لو كان غيره لوجب أن يكون مثله موصوفا . قالوا :
ولو جاز أن يكون خلقه غيره وأن يكون موصوفا لوجب أن تكون له صفة هي له خلق ، ولو وجب ذلك كذلك لم يكن لذلك نهاية . قالوا : فكان معلوما بذلك أنه صفة للشيء . قالوا : ف خلق السماوات والأَرض صفة لهما على ما وصفنا واعتلوا أيضا بأن للشيء خلقا ليس هو به من كتاب الله بنحو الذي اعتل به الأَولون . وقال آخرون : خلق السماوات والأَرض وخلق كل مخلوق ، هو ذلك الشيء بعينه لا غيره . فمعنى قوله :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إن في السماوات والأَرض . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس . وإنما الاختلاف في هذا الموضع الافتعال من خلوف كل واحد منهما الآخر ، كما قال تعالى ذكره :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً
بمعنى : أن كل واحد منهما يخلف مكان صاحبه إذا ذهب الليل جاء النهار بعده ، وإذا ذهب النهار جاء الليل خلفه ؛ ومن ذلك قيل : خلف فلان فلانا في أهله بسوء ، ومنه قول زهير :
بها العين والآرام يمشين خلفة * وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
وأما الليل فإنه جمع ليلة ، نظير التمر الذي هو جمع تمرة ، وقد يجمع ليال فيزيدون في جمعها ما لم يكن في واحدتها .
وزيادتهم الياء في ذلك نظير زيادتهم إياها في رباعية وثمانية وكراهية . وأما النهار فإن العرب لا تكاد تجمعه لأَنه بمنزلة الضوء ، وقد سمع في جمعه " النهر " قال الشاعر :
لولا الثريدان هلكنا بالضمر * ثريد ليل وثريد بالنهر
ولو قيل في جمع قليله أنهرة كان قياسا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
يعني تعالى ذكره : إن في الفلك التي تجري في البحر . والفلك هو السفن ، واحده وجمعه بلفظ واحد ، ويذكر ويؤنث كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى :
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
فذكره ، وقد قال في هذه الآية :
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ
وهي مجراة لأَنها إذا أجريت فهي الجارية ، فأضيف