تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
صحة ما ادعى . وأما القراء فإنهم اختلفوا في قراءة العفو ، فقرأته عامة قراء الحجاز وقراء الحرمين وعظم قراء الكوفيين :
قُلِ الْعَفْوَ
نصبا ، وقرأه بعض قراء البصريين : " قل العفو " رفعا . فمن قرأه نصبا جعل " ماذا " حرفا واحدا ، ونصبه بقوله :
يُنْفِقُونَ
على ما قد بينت قبل ، ثم نصب العفو على ذلك ؛ فيكون معنى الكلام حينئذ : ويسألونك أي شيء ينفقون ؟ ومن قرأ رفعا جعل " ما " من صلة " ذا " ورفعوا العفو ؛ فيكون معنى الكلام حينئذ : ما الذي ينفقون ، قل الذي ينفقون العفو . ولو نصب العفو ، ثم جعل " ماذا " حرفين بمعنى يسألونك ماذا ينفقون ؟ قل ينفقون العفو ، ورفع الذين جعلوا " ماذا " حرفا واحدا بمعنى . ما ينفقون ؟ قل الذي ينفقون ؛ خبرا كان صوابا صحيحا في العربية . وبأي القراءتين قرئ ذلك عندي صواب لتقارب معنييهما مع استفاضة القراءة بكل واحدة منهما . غير أن أعجب القراءتين إلي وإن كان الأَمر كذلك قراءة من قرأه بالنصب ، لأَن من قرأ به من القراء أكثر وهو أعرف وأشهر . القول في تأويل قوله تعالى :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
يعني بقول عز ذكره :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ
هكذا يبين أي ما بينت لكم أعلامي وحججي ، وهي آياته في هذه السورة ، وعرفتكم فيها ما فيه خلاصكم من عقابي ، وبينت لكم حدودي وفرائضي ، ونبهتكم فيها على الأَدلة على وحدانيتي ، ثم على حجج رسولي إليكم ، فأرشدتكم إلى ظهور الهدى ، فكذلك أبين لكم في سائر كتابي الذي أنزلته على نبي محمد صلى الله عليه وسلم آياتي وحججي ، وأوضحها لكم لتتفكروا في وعدي ووعيدي وثوابي وعقابي ، فتختاروا طاعتي التي تنالون بها ثوابي في الدار الآخرة ، والفوز بنعيم الأَبد على القليل من اللذات ، واليسير من الشهوات ، بركوب معصيتي في الدنيا الفانية التي من ركبها ، كان معاده إلي ، ومصيره إلى ما لا قبل له به من عقابي وعذابي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا علي بن داود ، قال ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
قال : يعني في زوال الدنيا وفنائها ، وإقبال الآخرة وبقائها . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
يقول : لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قوله :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
قال : أما الدنيا فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء ، والآخرة دار جزاء ثم بقاء ، فتتفكرون ، فتعملون للباقية منهما . قال : وسمعت أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
وإنه من تفكر فيهما عرف فضل إحداهما على الأَخرى وعرف أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء ، وأن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء ، فكونوا ممن يصرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ
اختلف أهل التأويل فيما نزلت هذه الآية : فقال بعضهم نزلت في الذين عزلوا أموال اليتامى حين نزل قوله تعالى
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
. ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما نزلت
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
عزلوا أموال اليتامى ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله