تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
جل ثناؤه :
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
وقال :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
فإن أشكل على امرئ قول الله جل ثناؤه :
وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
فظن أنه مخالف معناه معنى قوله
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ
إذ كان قوله " والملائكة " في هذه الآية بلفظ جمع ، وفي الأَخرى بلفظ الواحد . فإن ذلك خطأ من الظان ، وذلك أن الملك في قوله :
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ
بمعنى الجميع ، ومعنى الملائكة ، والعرب تذكر الواحد بمعنى الجميع ، فتقول : فلان كثير الدرهم والدينار ، يراد به الدراهم والدنانير ، وهلك البعير والشاة بمعنى جماعة الإِبل والشاء ، فكذلك قوله :
وَالْمَلَكُ
بمعنى الملائكة . ثم اختلف أهل التأويل في قوله :
ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه ، أو من صلة فعل الملائكة ، ومن الذي يأتي فيها ؟ فقال بعضهم : هو من صلة فعل الله ، ومعناه : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ، وأن تأتيهم الملائكة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
قال : هو غير السحاب لم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا ، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
قال : يأتيهم الله وتأتيهم الملائكة عند الموت . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عكرمة في قوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
قال : طاقات من الغمام والملائكة حوله . قال ابن جريج وقال غيره : والملائكة بالموت . وقول عكرمة هذا قال : طاقات من الغمام والملائكة حوله وإن كان موافقا قول من قال : إن قوله في ظلل من الغمام من صلة فعل الرب تبارك وتعالى الذي قد تقدم ذكرناه ، فإنه له : مخالف في صفة الملائكة ؛ وذلك أن الواجب من القراءة على تأويل قول عكرمة هذا في الملائكة الخفض ، لأَنه تأول الآية : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة ، لأَنه زعم أن الله تعالى يأتي في ظلل من الغمام والملائكة حوله . هذا إن كان وجه قوله والملائكة حوله ، إلى أنهم حول الغمام ، وجعل الهاء في حوله من ذكر الغمام ؛ وإن كان وجه قوله : والملائكة حوله إلى أنهم حول الرب تبارك وتعالى ، وجعل الهاء في حوله من ذكر الرب عز جل ، فقوله نظير قول الآخرين الذين قد ذكرنا قولهم غير مخالفهم في ذلك . وقال آخرون : بل قوله
فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
من صلة فعل الملائكة ، وإنما تأتي الملائكة فيها ، وأما الرب تعالى ذكره فإنه يأتي فيما شاء . ذكر من قال ذلك : حدثنا عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ
الآية ، قال : ذلك يوم القيامة ، تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام . قال : الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام ، والرب تعالى يجيء فيما شاء . وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من وجه قوله :
فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
إلى أنه من صلة فعل الرب عز وجل ، وأن معناه : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ، وتأتيهم الملائكة . كما : حدثنا به محمد بن حميد ، قال : ثنا إبراهيم بن المختار ، عن ابن جريج ، عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفا " وذلك قوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ
وأما معنى قوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ
فإنه ما ينظرون ، وقد بينا ذلك بعلله فيما مضى من كتابنا هذا قبل . ثم اختلف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
فقال بعضهم : لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه عز وجل من المجيء والإِتيان والنزول ، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأَحد إلا بخبر من الله جل جلاله ، أو من رسول مرسل . فأما القول في صفات الله وأسمائه ، فغير جائز لأَحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا . وقال آخرون : إتيانه عز وجل نظير ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع وانتقاله من مكان إلى مكان . وقال آخرون : معنى قوله :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
يعني به : هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله ، كما يقال : قد خشينا أن يأتينا بنو أمية ، يراد به حكمهم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : هل ينظرون إلا أن يأتيهم