مجاهد في قول الله عز وجل :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
قال : ادخلوا في الإِسلام . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة قوله :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
قال : ادخلوا في الإِسلام . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
قال : السلم : الإِسلام .
حدثني موسى بن هارون ، قال : أخبرنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
يقول : في الإِسلام . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن النضر بن عربي ، عن مجاهد : ادخلوا في الإِسلام . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
قال : السلم : الإِسلام . حدثت عن الحسين بن فرج ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
في الإِسلام . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ادخلوا في الطاعة . ذكر من قال ذلك : حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
يقول : ادخلوا في الطاعة . وقد اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل الحجاز : " ادخلوا في السلم " بفتح السين . وقرأته عامة قراء الكوفيين بكسر السين . فأما الذين فتحوا السين من " السلم " ، فإنهم وجهوا تأويلها إلى المسالمة ، بمعنى : ادخلوا في الصلح والمسالمة وترك الحرب وإعطاء الجزية . وأما الذين قرءوا ذلك بالكسر من السين فإنهم مختلفون في تأويله ؛ فمنهم من يوجهه إلى الإِسلام ، بمعنى ادخلوا في الإِسلام كافة ، ومنهم من يوجهه إلى الصلح ، بمعنى : أدخلوا في الصلح ، ويستشهد على أن السين تكسر ، وهي بمعنى الصلح بقول زهير ابن أبي سلمى :
وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا * بمال ومعروف من الأَمر نسلم
وأولى التأويلات بقوله :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
قول من قال : معناه : ادخلوا في الإِسلام كافة . وأما الذي هو أولى القراءتين بالصواب في قراءة ذلك السلم ، فقراءة من قرأ بكسر السين ؛ لأَن ذلك إذا قرئ كذلك وإن كان قد يحتمل معنى الصلح ، فإن معنى الإِسلام : ودوام الأَمر الصالح عند العرب ، أغلب عليه من الصلح والمسالمة ، وينشد بيت أخي كندة :
دعوت عشيرتي للسلم لما * رأيتهم تولوا مدبرينا
بكسر السين ، بمعنى : دعوتهم للإِسلام لما ارتدوا ، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأَشعث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائر ما في القرآن من ذكر السلم بالفتح سوى هذه التي في سورة البقرة ، فإنه كان يخصها بكسر سينها توجيها منه لمعناها إلى الإِسلام دون ما سواها . وإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل في قوله :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
وصرفنا معناه إلى الإِسلام ، لأَن الآية مخاطب بها المؤمنون ، فلن يعدو الخطاب إذ كان خطابا للمؤمنين من أحد أمرين ، إما أن يكون خطابا للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم المصدقين به وبما جاء به ، فإن يكن ذلك كذلك ، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإِيمان : أدخلوا في صلح المؤمنين ومسالمتهم ، لأَن المسالمة والمصالحة إنما يؤمر بها من كان حربا بترك الحرب . فأما الموالي فلا يجوز أن يقال له : صالح فلانا ، ولا حرب بينهما ولا عداوة . أو يكون خطابا لأَهل الإِيمان بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأَنبياء المصدقين بهم ، وبما جاءوا به من عند الله المنكرين محمدا ونبوته ، فقيل لهم : أدخلوا في السلم ؛ يعني به الإِسلام لا الصلح . لأَن الله عز وجل إنما أمر عباده بالإِيمان به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وإلى الذي دعاهم دون المسالمة والمصالحة ؛ بل نهي نبيه صلى الله عليه وسلم في بعض الأَحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الإِسلام ، فقال :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ
وإنما أباح له في بعض الأَحوال إذا دعوه إلى الصلح ابتداء المصالحة ، فقال له جل ثناؤه :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
فأما دعاؤهم إلى الصلح ابتداء فغير موجود في القرآن ، فيجوز توجيه قوله :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
إلى ذلك . فإن قال لنا قائل : فأي هذين الفريقين دعي إلى الإِسلام كافة ؟ قيل قد اختلف في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : دعى إليه المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به . وقال آخرون : قيل : دعي إليه المؤمنون بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأَنباء المكذبون بمحمد . فإن قال : فما وجه دعاء المؤمن بمحمد