تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
القصاص هو المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البدن ، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل . القول في تأويل قوله تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
. اختلف أهل التأويل فيما نزل فيه قوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
فقال بعضهم بما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
فهذا ونحوه نزل ب مكة والمسلمون يومئذ قليل ، وليس لهم سلطان يقهر المشركين ، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأَذى ، فأمر الله المسلمين من يجازي منهم أن يجازي بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو فهو أمثل فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وأعز الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم ، وأن لا يعدو بعضهم على بعض ك كأهل الجاهلية . وقال آخرون : بل معنى ذلك : فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين ، فقاتلوهم كما قاتلوكم . وقالوا : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وبعد عمرة القضية . ذكر من قال ذلك : حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم . وأشبه التأويلين بما دل عليه ظاهر الآية الذي حكي عن مجاهد ، لأَن الآيات قبلها إنما هي أمر من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفة ، وذلك قوله :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
والآيات بعدها ، وقوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأَمر بالقتال والجهاد ، والله جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة فمعلوم بذلك أن قوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
مدني لا مكي ، إذ كان فرض قتال المشركين لم يكن وجب على المؤمنين ب مكة ، وأن قوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
نظير قوله :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
وأن معناه : فمن اعتدى عليكم في الحرم فقاتلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم ، لأَني قد جعلت الحرمات قصاصا ، فمن استحل منكم أيها المؤمنون من المشركين حرمة في حرمي ، فاستحلوا منه مثله فيه . وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرم ابتداء في الحرم وقوله :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
على نحو ما ذكرنا من أنه بمعنى المجازاة واتباع لفظ لفظا وإن اختلف معناهما ، كما قال :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
وقد قال :
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
وما أشبه ذلك مما اتبع لفظ لفظا واختلف المعنيان . والآخر أن يكون بمعنى العدو الذي هو شد ووثوب من قول القائل : عدا الأَسد على فريسته . فيكون معنى الكلام : فمن عدا عليكم : أي فمن شد عليكم ووثب بظلم ، فاعدوا عليه أي فشدوا عليه وثبوا نحوه قصاصا لما فعل عليكم لا ظلما ثم تدخل التاء في " عدا " ، فيقال افتعل مكان فعل ، كما يقال : اقترب هذا الأَمر بمعنى قرب ، واجتلب كذا بمعنى جلب ، وما أشبه ذلك . القول في تأويل قوله تعالى
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
يعني جل ثناؤه بذلك : واتقوا الله أيها المؤمنون في حرماته وحدوده أن تعتدوا فيها فتتجاوزوا فيها ما بينه وحده لكم ، واعلموا أن الله يحب المتقين الذين يتقونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية ، ومن عنى بقوله :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
فقال بعضهم : عنى بذلك :
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وسبيل الله : طريقه الذي أمر أن يسلك فيه إلى عدوه من المشركين لجهادهم وحربهم ،
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
يقول : ولا تتركوا النفقة في سبيل الله ، فإن الله يعوضكم منها أجرا ويرزقكم عاجلا . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو السائب سلم بن جنادة ، والحسن بن عرفة قالا : ثنا أبو معاوية ، عن الأَعمش ، عن سفيان عن حذيفة :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
قال : يعني في ترك النفقة . حدثني محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا شعبة ، وحدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الأَعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة وحدثني محمد بن خلف العسقلاني قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر الرازي ، عن الأَعمش وحدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد قال : ثنا سفيان ، عن عاصم جميعا ، عن شقيق ، عن حذيفة ، قال : هو